الحكومة والمعارضة .. من يكسب المواطن؟

> حذرٌ كبير انتاب الشارع السوداني أمس جراء دعوات المعارضة لعصيان مدني رفضاً للإصلاحات والقرارات الاقتصادية التي أعلنتها الحكومة مؤخراً، ولامست جرحاً ملتهباً عندما ازدادت أسعار الدواء نتيجة لتحرير سعر الصرف. ولكن سرعان ماعادت الحكومة وقامت بتضميد الجرح قبل أن يملأه القيح والصدأ وألغت التسعيرة الجديدة.
> إسفيرياً كانت هناك مباراة ساخنة بين الحكومة والمعارضة تميزت بتكتيك عالٍ، مالت فيها الكفة تجاه الفريق (الأخضر)، الذي أظهر استعداداً كبيراً للمباراة، وحشد نجومه، ومنحهم جرعات تدريبية مكثفة مكنتهم من السيطرة على قروبات (الواتساب) و(الفيس بوك)، برغم الهجمات الخطرة التي شنها الفريق الآخر.
> على أرض الواقع كان دولاب العمل يسير بصورة طبيعية في الدواوين الحكومية والقطاع الخاص والمدارس والجامعات، وبثت بعض الفضائيات برامجها الميدانية من الأسواق والطرقات العامة لتحسس وتلمُّس نبض الشارع، ومعظمنا شاهد كيف كانت حركة الأسواق وانسياب المرور.
> عدد من المحال التجارية أغلقت أبوابها خوفاً على واجهاتها الزجاجية الأنيقة من التخريب، وحذراً من بعض التفلتات التي كبدتهم خسائرَ فادحة في الأموال والممتلكات والمقتنيات النادرة في تجارب سابقة. وبعد المراقبة الدقيقة للأوضاع عادت حركتهم إلى طبيعتها بحثاً عن الرزق الحلال.
> ما حدث في هذه الجزئية تحديداً يرجع لأن معظم الناس لا يفرقون بين التظاهرات التي تجتاح الشوارع، والعصيان المدني الذي أساسه أن تبقى في منزلك، وبمجرد استمرار الحياة وخروج الناس إلى مواقع عملهم، فإن ذلك يعني أن العصيان فشل وفقد أرضيته. لهذا تسلَّل الخوف إلى قلوب كثير من المواطنين الذين يعملون في السوق الحُر ويكسبون أموالهم بطريقة (رزق اليوم باليوم).
> هذه قراءة مبسطة لأحداث يوم أمس، ويمكننا استخلاص أن الشعب قال كلمته، ولا يريد الدخول في مزالق جديدة تفقده الأمن والاستقرار، بعد أن شاهد نتيجة التظاهر والعصيان في دول أخرى كاليمن وسوريا ومصر وليبيا والعراق. وهذا لا يمنع أن يقول رأيه بطريقة متحضرة تنبذ العنف وتتخذ من أسلوب الحوار مسلكاً وطريقاً لحل كل الإشكالات ومراجعة القرارات غير الموفقة.
> واضح جداً أن مكونات المعارضة بالداخل والخارج يستدرون عطف المواطنين عبر العزف على وتر الخدمات والواقع الاقتصادي الضاغط، ويحاولون ما استطاعوا إيصال رسالة أن الحكومة بعيدة عن شعبها وهمومه، ولذلك تلجأ للضغط عليه بزيادات فوق طاقة احتماله.
> الحكومة بدورها جرَّبت المواطن وصبره الكبير وتقشفه تقديراً لما تواجهه من تحديات بسبب خروج نفط الجنوب من الميزانية بعد الانفصال، إلى جانب الحصار الاقتصادي المضروب علينا من قبل أمريكا لأكثر من عشرين عاماً. أضف إلى ذلك فاتورة الحرب الباهظة التي استمرت لسنوات طويلة وأرهقت خزينة الدولة.
> جو الإصلاحات الاقتصادية انتظم الكثير من الدول حتى النفطية التي اشتهرت بعملتها القوية وكلمتها المسموعة في السوق العالمية، فقامت دول مثل المملكة العربية السعودية وقطر بإجراءات تقشفية خفضت على إثرها العمالة الأجنبية والمرتبات وفرضت ضرائبَ ورسوماً جديدة على كثير من المعاملات. وهي ذات الخطوات التي اتخذتها دول أوروبية وآسيوية لمجابهة المستجدات الحياتية والتحالفات الجديدة.
> معادلة صعبة تحتاج لحنكة وحكمة لتلافي أية مهددات وأطماع خارجية تنتظر بفارغ الصبر اختلاف أبناء الوطن الواحد لتنفيذ أجندتهم وتفتيت السودان الذي يشكِّل لهم بُعبُعاً مخيفاً، ويسعون بشتى السبل لتكبيله حتى لا ينهض المارد زراعياً وصناعياً ويسيطر على الساحة.
> فوِّتوا الفرصة على مُشعلي الفتن بالابتعاد عن الضغط على المواطنين بمثل هذه الإجراءات (وإن كانت ضرورية) وأبحثوا عن بدائل أخرى تجسِّر الهوة بعيداً عن (قُفة الملاح)، بل حفزوا هؤلاء الصامدين بمزيد من التنمية والخدمات والإنتاج وخلق فرص عمل وعندها سنجد الترياق الشافي لكل علل وأمراض الوطن.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى