الآثار و (الطوابي) .. هل تذهب (قرباناً) للنيل؟

الخرطوم: هادية قاسم

اجتاحت فيضانات النيل مناطق أثرية مهمة بالبلاد، وتأثر (الحمام الملكي) في منطقة البجراوية تأثيراً كبيراً بعد أن غمرته مياه النيل واحاطت به.. فيما تهدد مياه النيل الطوابي بولاية الخرطوم دون ان تكون هنالك محاذير أو استعدادات، فاحتمال غرق هذه المناطق الأثرية أصبح وشيكاً، وإمكانية تلاشي المنطقة بالكامل اصبح ايضاً في حكم الممكن .
(الإنتباهة) وقفت على وضع هذه الآثار وما حاق بها وما يمكن ان يحدث لها وخرجت بالتالي :

غير مسبوق
وصفت مسؤول الترميم بموقع الحمام الملكي بالبجراوية أميمة حسب الرسول، فيضان النيل وتأثيره بأنه غير مسبوق.
وقالت الإثنين الماضي إن المياه غمرت سور المدينة الأثرية مما أدى لتشبعه بالمياه، الأمر الذي قد يؤدي لظهور أملاح على الحجر الرملي وتفتته .
وأوضحت أن المياه وصلت للمبنى الملحق بالحمام الملكي (الجلسة الملكية)، لافتة الى ان المبنى مطلي من الداخل بطبقة من البلاستر وعليها نقوش ملونة، مشيرة الى ان تشبعه بالمياه يؤدي إلى الرطوبة النسبية، وقد تتسبب في بهتان اللون وتقشر البلاستر .
وأشارت أميمة الى الجهود الكبيرة في إقامة ترس لحماية حدود موقع المدينة الملكية، كما أنها اكدت ان حجم الضرر ليس كبيراً الآن، ودعت كل الجهات ذات الصلة لتأمين الموقع مستقبلاً لتلافي مثل هذه الأضرار التي يمكن أن تحدث في زمن فيضان النيل .
وقالت إن الجهود الكبيرة من الجهات ذات الصلة أسهمت في تراجع مياه الفيضان، وثمنت الادوار التي لعبتها كل من الهيئة العامة للآثار والمتاحف وكلية الآثار بجامعة الخرطوم وكلية الآثار بجامعة بحري وجامعة شندي وكلية الآثار بجامعة النيلين .
طوارئ الآثار
وبالمقابل سارعت الهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية، الأربعاء الماضي، لإعلان حالة الطوارئ ورفع الاستعدادات، وقطع إجازات كل العاملين إثر تعرض كثير من المواقع الأثرية لخطر الغمر بمياه النيل .
وأوضحت الهيئة في البيان أن تضافر جهود الهيئة العامة للآثار والمتاحف ومكاتب الآثار الإقليمية، توج بزيارات ميدانية من قبل كل من وزير الثقافة والإعلام ووزير التعليم العالي ووزارة السياحة والآثار بولاية نهر النيل وإدارة السياحة بمدينة عطبرة وإدارات جامعات الخرطوم وبحرى والنيلين ووادي النيل .
وأشارت الهيئة إلى أن الزيارات بذلت خلالها جهود كبيرة لإنقاذ موقع (الحمام الملكي) في منطقة البجراوية بعمل مصدات بواسطة العاملين في الهيئة ومشاركة أهالي المنطقة.
وأشار البيان إلى أن خطر الفيضان يهدد مواقع أثرية منها (الطوابي) في كل من الحتانة وتوتي وشمبات .
الطوابي
تعتبر هذه المناطق (الطوابي) من اهم المناطق الأثرية التاريخية، وهي من آثار الثورة المهدية في السودان، ويزيد عمرها على قرن من الزمان، وهي عبارة عن مواقع حصينة مبنية من الطين الجاف وكان يحتمي فيها قناصة جيش المهدي ومدفعيته لصد أي هجوم يأتي من جهة النيل، وكانت تمثل خطوط الدفاع النهائية ضد الغزو الإنجليزي ــ المصري في عام 1899م.
وتوجد الطوابي في مدينة أم درمان، وتقع على الضفة الغربية لكل من نهر النيل والنيل الأبيض قبالة مدينة الخرطوم ومدينة الخرطوم بحري، وفي ام درمان العديد من آثار الثورة المهدية مثل قبة المهدي وبيت الخليفة وبوابة عبد القيوم .
الوضع غير مطمئن
بدأت جولة الصحيفة من طابية ام درمان التي تقع بالقرب من الريفيرا. وفي ما يبدو ان الوضع العام غير مطمئن، خاصة ان مياه النيل تبعد سنتمترات فقط من المنطقة التاريخية، وان اية زيادة في مناسيب النيل ستغرق المنطقة غرقاً تاماً. واللافت في الأمر ان المنطقة لا توجد بها اية تروس بإمكانها أن تقي المنطقة شر الغرق اذا ما طرأ طارئ، وقد عاب بعض الزوار الذين التقت بهم الصحيفة على الجهات الرسمية عدم اهتمامهم واخذهم الحيطة والحذر قبل ان تقع الفأس على الرأس بحسب تعبيرهم. وقال عبد الرحمن موظف في احدى المؤسسات التي تطل على شارع النيل، إن اية زيادة في مناسيب النيل ستعمل على اغراق الطابية بالكامل. وعاتب بدوره المسؤولين لعدم وقوفهم لحماية الآثار التاريخية، معتبراً ذلك اهمالاً وتمادياً في التجاهل ليس الا .
ونجت طابية أبو روف من الغرق في مياه النيل، وكادت تغمرها المياه حيث احاطت بها المياه من ثلاث جهات، وصار الغرق اقرب اليها من رمشة العين، باعتبار الزيادة المطردة في مناسيب النيل. فيما اقتحمت مياه النيل السور الحديدي الذي يحيط بالطابية، ووصلت الى مستوى قريب من جسم الطابية التاريخية الأثرية المبنية من الطين. ولولا الترس الذي تم تشييده خلال السنوات الماضية من الحجارة والاسمنت لاصبحت المنطقة التاريخية في (خبر كان).
وقد كشفت جولة (الإنتباهة) عن الوضع الأقرب للكارثي بالطابية، فمياه النيل المندفعة بقوة قد غمرت المساحة التاريخية واحاطت بها من ثلاث جهات، اذ ان الجهة الشرقية منها كادت تضيق بالحشائش والأشجار التي تتوسط المياه.. فالوصول الى براحها أصبح من الصعوبة بمكان، مما جعل الزميل المصوّر يلتقط لقطاته من أعلى الشارع الرئيس .
استغاثة
وجدد عدد من سكان حي ابو روف وبيت المال مناشدتهم للجهات الرسمية ممثلة في وزارة الثقافة والسياحة، ضرورة الوقوف على الوضع العام بالطابية وحمايتها بوصفها احد اقدم الآثار في مدينة أم درمان .
الحمام الملكي
مدير ادارة الكشف الأثري بالهيئة العامة للآثار والمتاحف عبد الحي عبد الساوي قال لـ (الإنتباهة) إن المدينة الملكية بالبجراوية قد تأثرت بالفيضان، وهي أحد مواقع التراث العالمي وتحتل مساحة كبيرة، مشيراً الى ان مياه الفيضان قد غمرت (الحمام الملكي) واحاطت به من جوانب عديدة. واوضح عبد الساوي ان العمل قد بدأ به وتم تتريس المياه، وقد تضافرت جهود جهات عديدة للمساهمة في درء الخطر، ومن بينها العاملون في الهيئة العامة للآثار والمتاحف والدفاع المدني بولاية نهر النيل، والصناعات الدفاعية التي تبرعت بألف جوال. وقال ايضاً ان كل المهتمين بالآثار قد وصلوا الى منطقة البجراوية ووقفوا على حجم الخطر، ومنهم جامعة شندي وجامعة الخرطوم وجامعة النيلين والادارة العامة للآثار والمتاحف بولاية نهر النيل، واختتمت بزيارة وزير الثقافة والاعلام فيصل محمد صالح .
وضع صعب
اما في ما يتعلق بالآثار الموجودة في ولاية الخرطوم (الطوابي)، فقد اكد عبد الساوي انه ستتم عملية مسح لتقييم الوضع بولاية الخرطوم، وستكون هنالك زيارات للمواقع. وكشف عن بعض المناطق التي تأثرت بمياه الفيضان مثل طابية شمبات التي قال انها في خطر الا ان المياه لم تصل اليها، مشيراً الى ان طابية ام درمان لم تصلها المياه لجهة انها عالية. وذهب عبد الساوي الى ان طابية توتي قد احاطت بها مياه النيل من كل الجوانب ووصف وضعها بالصعب .
(100) ألف دولار
أعلنت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) تبرعها مبدئياً بمبلغ مائة ألف دولار بغرض حماية المواقع الأثرية في المناطق التاريخية السودانية .
وأعربت عن بالغ مواساتها للشعب السوداني وحكومته جراء ما حاق بالبلاد أخيراً من سيولٍ وفيضاناتٍ أودت بالأرواح وألحقت أضراراً بالممتلكات، في مشاهد تعاطف معها العالم كلّه تعبيراً عن حزنه وتضامنه، وإذ تؤكّد الإيسيسكو قناعتها بأن حكومة وشعب السودان قادرون على تجاوز آثار هذه المحنة، بما عهد عن السودان من صلابةٍ ومصابرة، فإنها تهيب بالدول الأعضاء وبجميع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات ومنظمات المجتمع الدولي، لتقديم كل ما بوسعهم من عونٍ ومساندةٍ في هذه الظروف التي فرضت أوضاعاً مأساويةً تضافرت مع الآثار المترتبة على جائحة (كوفيد ــ 19)، ليستدعي الموقف وقفةً أخويةً مع شعب السودان.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق