الطوارئ الاقتصادية.. هل تكسب الحكومة الرهان؟

الخرطوم: هنادي النور- رباب علي

لردع عمليات التهريب والاتجار بالعملة وحيازتها والمضاربة فيها أعلنت الحكومة حالة الطوارئ الاقتصادية على خلفية التطورات الخطيرة التي شهدها سعر العملات الأجنبية بالسوق الموازية،الأمر الذي اعتبرته الحكومة تخريباًممنهجاً للاقتصاد،وفي المقابل تباينتآراء خبراء اقتصاديين ومراقبين في جدوى حالة الطوارئ في كبح جماح الأزمات الاقتصادية الناتجة من ارتفاع أسعار العملات الأجنبية بالرغم من إجبارها للدولار على الانخفاض الى أقل من 220 جنيهاً بالسوق فور الإعلان عنها،فثمة من يرى في أن  الخطوة  مهمة وتأخرت كثيراً،وشددوا على ضرورة أن تكون  العقوبات رادعة لجهة ان التعامل في النقد الاجنبي لديه مصارف محددة،فيما قلل البعض الآخر من أهمية إجراء الحكومة الأخير لجهة أن الهجوم الأمني على السوق الموازية غير سليم اقتصادياً،و أن محاولة التحكم في الدولار بالوسائل الأمنية وحدها لن تكفي.

مضاعفة العقوبات ..
ولجهة أن حالات الطوارئ الاقتصادية المعلنة تعتمد على الجانب الأمني لنجاحها اتجهت الحكومة لتشكيل قوة مشتركة من الجيش والشرطة وجهاز المخابرات العامة والدعم السريع والجمارك،هذا ما كشفه الناطق الرسمي بالشرطة اللواء عمر عبدالماجد  لـ»الانتباهة « عن تشكيل غرفة عمليات من الاجهزة الامنية والمباحث المركزية وشرطة ولاية الخرطوم والجمارك بهدف التركيز على كافة القضايا المضرة بالاقتصاد الوطني سواءأكان في جانب العملة او التزوير والذهب والتهريب،وقال إن كل هذه الحزمة ستعمل باقصى طاقتها لجهة ان حالة الطوارئ تستوجب اجراءات استثنائية وليست طبيعية،معلناً عن تعديل العقوبات للجرائم اعلاه ومضاعفة العقوبات لكي تشكل حزمة من الاجراءات للحد من التضخم الاقتصادي الناتج من الانفلات في سعر الصرف بالنسبة للعملات.
دون مجاملة
وفي المقابل شدد عضو بالمجلس السيادي فضل حجب اسمه لـ(الانتباهة) بضرورة عودة الرقابة الأمنية المشددة  دون مجاملة وتفعيل مباحث السلع وتأمين انسيابها وقال : إذا لم يكن هنالك اقتصاد قوي ولم يستطع محاربة المخربين فإنه لن يستطيع أن يصمد وينتعش،مؤكداً أهمية لجنة الطوارئ الاقتصادية وتفعيل الرقابة الأمنية بجانب المساعدات الأخرى في معالجات الأزمة الاقتصادية منها زيادة الانتاج وفتح فرص الاستثمار وابتكار مشروعات،داعياً الى أهمية ان يكون العمل وفق خط متواز مع القبضة الأمنية.
عقوبات رادعة ..
فيما يرى الخبير الامني اللواء المعز العتباني أن إعلان الطوارئ الاقتصادية تأخر كثيراً،وشدد على أهمية أن تكون  العقوبات رادعة لجهة ان التعامل في النقد الاجنبي لديه مصارف محددة ومتعاملين محددين وبالتالي اي شخص يتعامل في النقد الاجنبي  غير مسموح له بالعمل يعتبر ذلك  تخريباً للاقتصاد،واوضح  العتباني لـ»الانتباهة « تأخر حالة الطوارئ الاقتصادية سبق وان تم الإعلان عنها،مشدداً على أهمية مشاركة القوات الامنية والشرطية وجهاز الامن والقوات المسلحة في محاربة تجار العملة والمحافظة على الحدود لمكافحة  التهريب،ورحب بتولي القوات الامنية الاجراءات التنفيذية لتحقيق قانون الطوارئ فيما يختص بتدمير الاقتصاد، مشيراً الى أن تأخير تلك الاجراءات ادى الى وصول الجنيه السوداني الى هذا الحد،ودعا القوات الامنية كافة بان يكون هنالك تنسيق فيما بينهم سواء في الشرطة والقوات المسلحة والدعم السريع وجهاز الامن في السيطرة على الحدود ومحاربة التهريب وتزوير العملة،كاشفاً عن وجود تزوير خارج الحدود في بعض الدول المجاورة،وطالب بأن يكون الجميع  تحت مساءلة القانون فيما يختص بتطبيق الطوارئ بالكامل .
غير سليم اقتصادياً
فيما قلل رئيس قسم الدراسات الاقتصادية بمركز الراصد د. الفاتح عثمان من الاعتماد على الجانب الأمني في محاربة السوق الموازية للعملات الأجنبية،ويرى ان السوق الموازية في الوقت الراهن هي التي تدير تجارة السودان الخارجية،في ظل مقاطعة المصارف العالمية والإقليمية للسودان،واعتبر في حديثه لـ(الانتباهة) الهجوم الأمني على السوق الموازية بغير السليم اقتصادياً،وأضاف أن محاولة التحكم في الدولار بالوسائل الأمنية وحدها لن تكفي،بيد أنه عاد وقال إنها أحياناً تحدث ضبطاً في السعر لا بأس به،لافتاً الىاستمرار اللجوء للسوق الموازية من قبل المسافرين للخارج والمستوردين في ظل عجز بنك السودان المركزي عن توفيره لتغطية الحاجة لشراء العملة،جازماً بأن الحل الأمني لا ينتج شيئاً،واصفاً حديث وزيرة المالية بشأن إنفاق 600 مليون دولار من أموال المانحين لتثبيت سعر الصرف بالممتاز،وتوقع في حال ضخ هذا المبلغ لتغطية حاجة المسافرين والمستوردين بأسعار معقولة سوف يؤدي الى هبوط الدولار في السوق الموازية،وطالب الحكومة بضرورة التقليل من الاستيراد لتقليل حجم الطلب،وقال ان هذه الخطوة قام بتجربتها الرئيس المخلوع عمر البشير عندما صعد الدولار لحاجز87 جنيهاً قام بإيقاف الاستيراد الا عن طريقة لجنة أجبرت الدولار للتراجع عند 35 جنيهاً، اي ثلثي القيمة عند الارتفاع،واوضح يمكن للحكومة فرض رسوم مغادرة على المسافرين تصل الى 50 الف جنيه لتقليل السفر للخارج والطلب علىالدولار،وشدد على أهمية الرفع العاجل لدعم الوقود والكهرباء والذي يؤدي الى إرجاع كثير من السيولة النقدية الى داخل  خزانة الحكومة،داعياً الحكومة الى فرض ضرائب على البنزين لأصحاب المركبات الخاصة وزيادة ضريبة الاتصالات بنسبة 100% لتحقيق إيرادات حقيقية لتقليل عجز الموازنة دون الحاجة الى طباعة النقود وبالتالي تقليل معدلات التضخم وسرعة انهيار الجنيه السوداني.
ونفى أن يكون انهيار الجنيه نتيجة لمؤامرة وإنما للارتفاع الكبير في حجم الكتلة النقدية بسبب لجوء الحكومة لطباعة النقد لتمويل الإنفاق لعدم وجود إيرادات حقيقية للإنفاق على الوقود والكهرباء،إضافة الى رفع المرتبات في ظل عدم وجود إيرادات لتغطيتها،مما نتج عنه ارتفاع معدلات التضخم وانهيار لقيمة الجنيه، فضلاً عن اتساع الهوة بين الصادرات والبالغ قيمتها 2 مليار دولار وواردات في حدود 5 مليارات دولار.
خارج السيطرة
فيما يخالفه الرأي الخبير المصرفي د.لؤي عبدالمنعم  الذي يؤكد أن اعلان حالة الطوارئ الاقتصادية خطوة مهمة في ظل الظروف الحالية،وكشف عن جهات في الغالب حكومية تضارب بالدولار لديها التزامات وتعاقدات لشراء سلع استراتيجية لاسيما وان الحكومة وقعت عقوداً بمليارات الجنيهات،وتساءل:من اين تأتي بهذه الاموال ؟،وتابع «كان لابد ان تحصل عليها من السوق الموازية وهي الجهة الوحيدة التي يمكن ان توفر لها ذلك»،جازماً بأن اعلان الطوارئ  أمر مهم للغالية ويبدو أن هنالك جهات تقوم بتزوير العملة لضرب الاقتصاد .
واستغرب لؤي لتأخر تفعيل الجمعيات التعاونية التي انتهجتها الحكومة السابقة لتخفف العبءعلى المواطن عبر نقاط البيع، واضاف حتى الفيضان لم تستطع مواجهته،واصفاً إحالة موظفين للصالح العام بالخطأ الكبير،واعتبر إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية بالشيءالطبيعي،ووجهانتقاداً حاداً للحكومة التي وصفها بعدم الاهتمام الى عقب وقوع الكارثة,مبيناً أن الهدف من حالة الطوارئ  الحصول على مساعدات انسانية،جازماً بأن الحكومة  لاتستطيع توفير خيم  ولامراكز بيع مخفض بدون المساعدات الإنسانية لجهة ان الامر خارج سيطرتها،واضاف أن الهدف الرئيسي من هذه الخطوة الحصول على مساهمة وهنالك دول قدمت مساعدات منها الامارات والسعودية وقطر  والكويت والعراق وتركيا ومصر التي اعلنت عن اقامة جسر جوي مع السودان لتقديم المساعدات اشترطت كل هذه الدولة تقديمها بنفسها لعدم ثقتها في الحكومة،واستدرك لؤي قائلاً « من خلال متابعتي ان عدداً كبيراً من الخيم تم بيعها في السوق  بواقع 20الف الى 30 الف جنيه وتم تهريبها للسوق،وواضح ان الحكومة لديها مشكلة في بعض الموظفين الذين يتسلمون المساعدات ومثل ماحصل في مساعدات الكورونا بالنسبة للادوية لم نرها بالاسواق ولكن الاموال اين هي دخلت المالية ام صرفت مرتبات ؟ ، وقال ان ادارة البلد تتم بطريقة عشوائية لاتوجد موارد حقيقية،وان طريقة التعامل في الشأن المالي تتم بصورة سطحية «رزق اليوم باليوم»،وقال هو ذات النهج الذي كان يعاني  منه الشعب  في زمن الانقاذ،مؤكدا عدم استمرار الوضع الحالي،وتوقع أن يتفاقم في حال استمراره،لافتاً الى ان الحل ليس عمل مؤتمر اقتصادي يعيد صياغة الحلول والمقترحات ومعظمها تم تقديمها في زمن الانقاذ ولم تفعّل والان كل الحلول والمقترحات التي تملأ الصحف والمنتديات والندوات لايتم تطبيقها ابداً . وعاب على الحكومة انشغالها بقضايا اساسية من ضمنها المرتبات وحفظ الامن ومعالجة قضايا السلام مما تسبب في شلل كامل للحكومة ،ورأى في المصالحة الكاملة بجمع الصف الوطني ورتق النسيج الاجتماعي الحل الوحيد،وأضاف «بعد ذلك كل شيء يتحسن وغير هذه الخطوة لايمكن ان يحدث تغيير»،ونوه الى وجود قطاع شعبي واسع متنام معارض للحكومة الحالية يرى في كل سبب من اسباب الانهيار فرصة للخراب لهذه الحكومة وبالتالي لابد من دعوة لمؤتمر للمصالحة الوطنية لجهة ان المشكلة السياسية لديها تأثيرات كبيرة جداً على الجانب الاقتصادي .
مؤشرات مزعجة
وتأسف عميد كلية الاقتصاد بالجامعة الاسلامية سابقاً د.محمد خير حسن بشأن حالة الطوارئ الاقتصادية التي ركزت على محاربة تجار العملة في ظل وجود مؤشرات مزعجة في الاقتصاد،وقال في تعليقه لـ(الانتباهة) على قرار اعلان حالة الطوارئ الاقتصادية بقوله ان المشهد تتصدره مؤشرات مزعجة لكل متخذي القرار الاقتصادي وللشعب السوداني ايضاً ، فالانفلات الكبير في المستوى العام للاسعار وبالتالي زيادة معدلات التضخم والتدني المريع لقيمة العملة الوطنية ، وهذه المؤشرات تتطلب مخاطبتها باجراءات عاجلة والمؤسف ان ما اعلنته الحكومة يتعلق بالاتجار بالعملة ولذلك استمرار تدني قيمة الجنيه يقولون ان الفترة القادمة ستشهد تشدداً كبيراً من قبل الاجهزة الامنية على عملية الاتجار بالعملة.
واستدرك محمد خير بقوله : الاشكالية التي يعاني منها الاقتصاد  ترتكز على عدم وفرة ارصدة كافية في البنك المركزي السوداني وكيفية بناء الاحتياطات ، وقطع بان الاجهزة الامنية واجراءاتها لن تجدي فتيلاً ولا تبني احتياطات البتة من العملة الحرة حتى يستقر الجنيه السوداني وسعر الصرف ، وأضاف»كما فشلت الاجراءات القمعية على تجار العملة في ظل الانظمة السابقة فان هذه ايضاً ستفشل» ، مشدداً على ضرورة بناء الاحتياطي عبر إحداث حراك حقيقي في القطاعات الانتاجية وقطاع الصادر على وجه الخصوص ليضخ ارصدة كافية ، وجذب مدخرات المغتربين للداخل وترشيد عملية صادر الذهب لينعكس في شكل وارادت كافية من العملة الاجنبية لتغذية النظام المصرفي.
إغلاق الاقتصاد
واقترح خير عدداً من الخطوات لبناء الاحتياطات منها الاتجاه لاغلاق الاقتصاد السوداني كما اغلق اقتصاد عدد من الدول اغلاقاً كاملاً الا من بعض السلع الاستراتيجية التي تدخل كمدخلات انتاج للقطاعات الانتاجية ، وايقاف كل سلع الرفاهية واغلاق واردها لتوفير العملة الحرة.
وايد القرار بايقاف تصدير المواد الخام وتنمية الصناعة التحويلية وتصنيعها ومن ثم تصديرها والاستفادة من عائدها،واصفاً اياه بالاتجاه المحمود يجب ان تفلح فيه الدولة، بيد أنه عاد وتساءل:كيف ينجح هذا الاتجاه والقطاعات الاقتصادية مقعدة؟، فالقطاع الصناعي منهار والتوليد الكهربائي في أسوأ مستوياته، داعياً الى النهوض بكل هذه المساحات لانها تتكامل مع عملية انجاح الصناعة التحويلية التي قال إنها الاتجاه الصحيح ولكن مطلوباتها كثيرة.
ترقب حذر
والشاهد أن الشارع السوداني سادته حال من الترقب والحذر كشفت عنه مشاهدات الصحيفة بسوق بحري وسط المواطنين من الاجراءات الأمنية التي سيتم تنفيذها على السوق، وأوضح الموظف بجامعة الخرطوم  هاشم الفكي لـ(الانتباهة) انها لن تؤدي الى انخفاض الاسعار مشيراً إلى أنها – أي الحملات – كانت متوقفة منذ أشهر.
وأكد الفكي فشل الحكومة السابقة في السيطرة على اسعار سعر الصرف عبر الإجراءات الأمنية وآلية صناع السوق ، لصعوبة مجاراة السوق الموازية لتوفر احتياطات ضخمة من العملتين «محلية وأجنبية» لدى التجار تفوق ما يملك بنك السودان المركزي.
وتساءل في ذات الأثناء : لماذا لم  يتأثر السوق بتشكيل الحكومة الانتقالية ؟ مضيفاً : في السابق كان السوق يتأثر حال التوقيع على اتفاق او الحصول على منح وقروض وودائع بالارتفاع أو الانخفاض ولكن هذه المرة ظل السعر في تصاعد مستمر  رغم كل هذه التطورات.
(هيجان) الدولار
وابان المغترب عاصم النور ان سوق العملة الحرة تكثر ممارساته في الخارج لاستقطاب اموال المغتربين السودانيين في مختلف بلدان المهجر نظراً الى سهولة تحويلها إلى الصين والامارات باعتبارهما اكثر دولتين يتم فيهما استيراد السلع التجارية المطلوبة الى السوق السودانية.
وزاد : السوق الموازية لديها شبكة في كل الدول وتوجد اينما يوجد سودانيون مغتربون بالخارج،وقالإن والحملات التي ستنفذها السلطات على تجار العملة ستؤدي إلى (هيجان) الدولار وليس انخفاضه باعتبار ان المستوردين لا يحصلون على العملات الصعبة لاغراض الاستيراد وصعوبة محاربة تجار العملة بالخارج بخاصة انه ليست لهم اماكن محددة يعملون فيها الى جانب انه لا يمكن معرفة اين يودعون اموالهم.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق