السودان: بروفيسور عارف الركابي يكتب: تراحموا ..

إذا حقق أهل المجتمع التراحم فيما بينهم فإن وعداً عظيماً ينتظرهم ، منه قول النبي عليه الصلاة والسلام : (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي والبيهقي وغيرهما ..

فإذا رحم كل منا من حوله ، فإن الجزاء من جنس العمل ، وسنرى رحمة الله تتحقق فينا بفضله ورحمته ، ومهما رأينا من التفريط الظاهر في هذا الجانب في مجتمعنا ، إلا أننا لا نيأس من الخروج بمنحة عظيمة من المصائب والمحن الكبيرة .. ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ..

لنحقق التراحم فيما بيننا .. ليرحم الكبير الصغير ، والقوي الضعيف ، والغني الفقير ، والعالم والداعية الجاهل ، والمعلم المتعلم ، والطائع العاصي ، والتجار عامة الناس ، وليرحم الطبيب المريض ، وليرحم صاحب العمل العامل ، وليرحم التاجر الناس لنحقق مظاهر التراحم من التعاون على البر والتقوى ، ومن خفض الجناح ، وبذل المعروف بكل أنواعه ، وغض الطرف عن الزلّات ، ومعالجة الأخطاء بالأسلوب العلمي والنقد الموضوعي .

ومما ورد في هذا المعنى العظيم من تأكيد مقام التراحم قول من وصفه الله تعالى بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم عليه الصلاة والسلام حيث قال : (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) رواه البخاري ومسلم .

لنساعد أهل مجتمعنا بكل ما نستطيع ولنفر من الوعيد الشديد الوارد في قول نبي الرحمة : ( مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ) رواه البخاري ومسلم .. إنه وعيد شديد بأن الله سبحانه وتعالى لا يرحم من لا يرحم .. وبقدر التفريط في رحمة الآخرين يكون تحقق هذا الوعيد ، وهو نتيجة لأمر محدد ومعين ، ومن يتدبر هذا الأمر ، وينظر في أحوال الناس ــ إلا من رحم الله ــ لا يستغرب من تتابع الفتن والمصائب ..

ولكن مع هذا وذاك .. نتفاءل بأن المحن تعقبها منح .. (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) .. إن إدراك كثير من الناس لخطورة قسوة بعضنا على بعض ، ومن ذلك حرصهم على نبذ (الحزبيات) التي هدّمت ولم تبن ، وفرقت ولم تجمع ، وسعيهم للمعافاة من أدوائها المستعصية (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، وهي فرصة لوضع (العنصريات القبلية) التي روّج لها أعداؤنا في مجتمعنا ووجدت قلوباً مريضة أشربت من خبثها وسوئها ، فرصة لوضعها في محلها اللائق بها (تحت الأقدام) كما وضع نبي الهدى والرحمة كل أمور الجاهلية تحت قدميه ..

فإن المجتمع كله مثل ركاب اجتمعوا في سفينة واحدة إن غرقت غرق كل من فيها ، مع التأكيد بأن الواجب على الجميع الاجتهاد للاجتماع على الحق ، على كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وتحكيمهما في كل القضايا والمواقف والمعتقدات والأقوال ، فإن ذلك من الاعتصام بحبل الله وقد أوجب على كل عباده أن يعتصموا به ولا يتفرقوا عنه ..

علينا في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادنا بالهدوء والسكينة ، وخفض الجناح ، والصبر والحلم والتحمل والعفو والصفح ، وتغليب المصالح العامة والاحتكام إلى الشرع الحكيم والعقل السليم والعرف القويم.

إننا بحاجة إلى تحقيق أسباب رحمة الله بنا ، وهي أسباب كثيرة ، فلنجتهد في تحقيقها طاعة لله ورغبة في ما عنده ، وليرحمنا بسببها ، فإنه لا يخلف وعده .. جل في علاه ..

وبالجملة فإن رحمة الله بخلقه إكرام منه جل وعلا لمن آمن به واتقاه وأطاعه وأطاع رسوله عليه الصلاة والسلام ، ومن ذلك الرحمة بخلق الله تعالى ، والإحسان إليهم ، فهو سبب عظيم في أن ينال العباد رحمة خالقهم ، وقد أدخل الله رجلاً الجنة لأنه سقى كلباً ماء ، فما بال بعض الناس قد حرموا أنفسهم من أسباب الرحمة وهم يقدرون على تحقيقها ؟! ، بل إن بعضهم وقع في أسباب منعها ، فمن لا يرحم لا يرحم..

عارف بن عوض الركابي

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق