السودان: هيثم كابو يكتب: الصرف والظرف! 

]  المهندس (س) غرير يا دابو خريج
والفراريج قد تحاول أن تطير
أما المقاول (صاد) خبير
بالفاء فساد قادر تماماً يلتهم كل المواد
أسمنت فات فيهو الفوات والسيخ مِعتت وبوهية ممكن تبقى جير
فلا لعل ولا عسى.. لا عسر هضم ولا ضمير
ناول وبس ناول كتير.. إن الحصى لمن عصى
هذا الكلام سمعوه من خشم المدير
كل الظروف بتهون تماماً
ما عداك يا أيها (الظرف الكبير)
كتف العمارة وقد هوى
مسؤول إذن (موسى الغفير) !!
]  ومن غير محجوب شريف بإمكانه أن يرسم هذه الصور البديعة؛ فالراحل مسكون بقضايا الغبش وهمومهم التي تلمس عصب آلامهم وتعكس آمالهم؛ فلا غرابة إن أطلق عليه الناس اسم (شاعر الشعب) ..!
]  عندما غابت قيم التربية الوطنية وضعف دور الأسرة وأصبحت (اليد الخفيفة) قبلة للناس ينتظرون منها الصدقات والمساهمة ويطلقون على صاحبها اسم (رجل البر والإحسان) فتك النظام البائد بالبلاد وازداد الفساد، وتمددت إمبراطوريات (القطط الضعاف والسمان)، واستشرت أمراض الاختلاس المزمنة في جسد الوطن العليل؛ فعندما تسقط الأخلاق في الهوة يصبح الاعتداء على المال العام ضرباً من ضروب (الذكاء والفهلوة)، بالرغم من أن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، ولعن الله كل من امتدت يده لمال البلد و(حق الناس) ليخون العهد والذمة ويسقط في امتحان صون الأمانة بكل (فساد وهمة)…!!
]  الشعر الحقيقي هو الذى يُعزِّز القيم النبيلة ويزرع فى النفوس سمح الخصال، ويسعى الى نزع فتيل الاختلاس ويصرخ بصوت عالي النبرة في وجه الفساد، ودونكم العفيف محجوب شريف وهو ينشد قائلاً :
يكبر كلس.. لو يقبقبو من قميصو
ويرمى طاقيتو الفلس..لا يقولوا ارتشى
.. لا يقولوا اختلس ..
همة ود بلد حيث ما مشى.. أين ما جلس..!
]  والراحل محجوب شريف نسيج وحده عندما يكتب في السياسة وقضايا المجتمع، وإذا طالعت له نصاً شعرياً يتحدث عن نموذج إنساني نبيل فإنك لا تملك سوى أن ترفع له القبعة احتراماً وإجلالاً..!!
]  رحمة الله تتنزل عليك يا محجوب؛ وانت تبلل رؤوسنا بالخجل عندما تمجد كفاح ونضال ورحلة شقاء كل أم مات زوجها فطلّقت الدنيا ونعيمها، وجاهدت من أجل تربية وتعليم أبنائها.. الدعوات الصادقة لك بالغفران وقلمك يتدفق روعة ونبلاً وإبداعاً ودهشة عبر (أم اليتامى) تلك القصيدة التحفة التي ينزف لها القلب قبل أن تدمع العين، وانت تنشد قائلاً :
زي ما القلب ساساق.. الخطوة ساساقة
وعيونا منتبهة تبارى زقزاقا..
لا شك ولا شبهة..  السترة أشواقا
الشفع القصر والدمعة رقراقا
يا حليل شريك العمر
الدنيا فراقة.. اتيقنت أحسن
من تبقى نقناقة
]  ما أجمل أن تكون السترة سدرة منتهى أشواق امرأة مات زوجها في زمن (الواتساب) فوهبت نفسها لرعاية أيامها؛ وجرح حزنها على رفيق العمر لا يزال أخضر..!
]  بالله عليكم، تأملوا هذه اللوحة القلمية والصورة المؤثرة البديعة التي رسمها محجوب لمعاناة وكفاح (أم اليتامى) اناء الليل حتى يتسنى لها الإيفاء بكافة التزاماتها في ساعات النهار التي ستكون  فیها حبيسة المكتب.. تأملوا جيداً في قول المحجوب:
شقشق مقص في ليل نامت خلايق الله
طائر سقد حلق فى بيتها واتدلى
تدى الولاد بصة وتجرب القصة وتقلب الحلة.!
]  يا له من كفاح نبيل لأم صابرة نحتاجها فى زمن (التزود باليقين)، ويا له من إبداع متجاوز لشاعر تسكنه نماذج النضال التى لا ينتبه إليها الناس في لهثهم اليومي وركضهم الحياتي..!!
]  كل من يقرأ نص (أم اليتامى) تفتنه أبيات ساحرة آسرة مثل:
رغم الشجن هبت لم تعرف الذلة
ما فارقت سرباً ما خالفت مِلة ..!
]  يتجلى إنصاف محجوب لـ(أم اليتامى) عندما يحرر شهادة (حياة كريمة) لتلك الأم التي (مات زوجها) وربت أولادها أرملة بكدها وسهرها وعملها وعرقها، وتتجسد معاني التقدير تماماً فى قوله :
أسأل تقاريرا..السرية والسمعة
هل ركلست يوماً حتى ولو جمعة
مشكورة في المكتب مستورة في الحلة.
]  محجوب شريف أفضل من يغزل خيوط الدهشة من العادية، وتلبس معه القصيدة ثوب موضوع نابض، ودونكم (غويشاية) التي تمثل إدانة ناطقة لممارسة الجريمة جهاراً نهاراً تحت غطاء ما هو أبشع منها، أما (ست البنات) فيكفي فقط انتقال محجوب الرشيق المعبر البليغ من سؤال الصغار الصادم : ( حق الفطور ..يمة..العشا..؟)، إلى بلوغ قمة المعاناة وجمال الوصف في : (نار الكوانين انطفت ..إلا البتوقد في الحشا)..!!
]  من يتابع قوافي محجوب شريف يلحظ أن مفردة (السترة) اتخذت من أبيات شعره مستقراً ومسكناً، وبالإمكان الرجوع الى عشرات النماذج من نصوصه النابضة بقلق المتغيرات الاجتماعية في الحياة السودانية.
]  (سودانية) الراحل محجوب شريف وأصالة معدنه وطهر أخلاقه كانت تظهر جلية في تعاملاته قبل أشعاره.
]  ما أحوجنا هذه الأيام للسترة التي نادى بها محجوب شريف كثيراً فقد تصالح البعض مع الفضائح وقلت رقعة الاحترام.!!
نفس أخير
]  العبرة في الخبرة
الأيدي لو تعمل
جرح الزمن ببرا.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى