السودان: سليمان الماحي يكتب: يا النائمين عوووك الدولار وراكم

حكاية الدولار الأمريكي مع الجنيه السوداني تشبه لعبة القط والفأر وان كان الجنيه – بكل أسف – هو الخاسر الوحيد في هذه اللعبة الغريبة الأطوار التي جعلت منه ورقة نقدية غير ذات قيمة لحامليها والمتعاملين بها . والأسوأ في ذلك هو أن الجنيه المغلوب على أمره دائما يكون تحت رحمة الدولار ومن المؤكد أنه لا أمل في نجاته من تلك القبضة الموجعة إلا بعد أن ( يمعط ) منه الدولار نسبة من قيمته تصيبه بالوهن النقدي وتجعله وأعني هنا الجنيه ورقة هزيلة مهزومة نقديا وممزقة شكلا و (مسهوكة ) كتابة لا يشتهيها حتى اللصوص المبتدئين .
وفي حقيقة الأمر فان الجنيه الذي يعاني من حالة (مرمطة شديدة) في هذه الأيام لم يكن كذلك في الماضي البعيد أي في السبعينات ومن بعد ذلك بسنوات فقد كان قويا وله (شنة ورنة) وكان يمتلك زمام المبادرة النقدية في مواجهة جميع العملات الأجنبية في الأسواق النقدية بما في ذلك الدولار الأمريكي نفسه ويكفي دليلا على ذلك ان الجنيه الواحد – يومذاك – كان يساوي ثلاث دولارات ونتيجة لذلك كان الوضع الاقتصادي معافي صلدا جلدا تدعمه صادرات رئيسية من قبيل القطن ثم تاليا الصمغ العربي والفول السوداني والسمسم لذا فقد كان عملة شهية يقصده الناس من كل فج داخل و خارج الوطن.
وهاكم ما يؤكد عظمة الجنيه السوداني في الماضي فقد روي لي أحد الأشخاص وهو مصري الجنسية يعمل في قطاع المصارف في دولة خليجية كان طموح الموظف المصري في الماضي العمل في السودان لأن الراتب بالجنيه السوداني يزيد كثيرا عند تحويله الى الجنيه المصري ويضاف الى ذلك بعض السلع الغذائية وغير الغذائية التي كانت باهظة الثمن في مصر يومذاك لافتا الى تجربته الشخصية التي مفادها انه لجأ لشخصية مهمة في رئاسة الجمهورية المصرية لتساعده في الانتقال للعمل في الري المصري في جبل الأولياء.
ونشرح أكثر ونقول ان ما أصاب الجنيه السوداني من تدهور متسارع كان بسبب اهمال ثلاث ركائز اقتصادية مهمة هي مشروع الجزيرة الذي كان ينفرد بانتاج القطن على مساحة ملوني فدان ويصدر الى المملكة المتحدة ليتم تصنيعه في لانكشير وفي المقابل يجني السودان كل ما تحتاج خزينته من العملات الحرة والى جانب القطن تقف السكة حديد والخدمة المدنية ونتيجة لما أصاب هذه المشاريع من إهمال خلال حكم الإنقاذ وأيضا الحصار الأمريكي على البلاد الذي كان وراءه المعارضون وزاد تلكوء الحكومة المؤقتة من الكارثة التي أصابت الاقتصاد السوداني ووضعت الجنيه في غرفة الإنعاش أن لم يكن قد فارق الساحة الاقتصادية نهائيا.
ما لا يخفى حتى على (ستات الشاي) الجالسات على قارعة الطرق ويتحلق حولهن الشباب ذكوراً واناثاً يحتسون القهوة بمزاج أن جميع المحاولات التي لجأ اليها من نسميهم في بلادنا خبراء الاقتصاد لانقاذ الجنيه السوداني من ورطته طلعت (فشنك) ولا تعدو كونها مجرد حالة تخدير موضعي ليس إلا تزول مع مرور الوقت.
بأديء ذي بدء نعترف بأن معرفتنا بحركة أسواق العملات النقدية هي تماماً مثل معرفتنا باللغة الصينية ولكن تدخلنا في هذه المسألة جاء من باب التعاطف مع الجنيه الذي هو من لحمنا ودمنا وبالتالي ليس من المروءة السودانية لتي ورثناها أبا عن جد أن نتركه مهموما مهزوما من جميع العملات النقدية على وجه الأرض بالضربة القاضية يوما بعد اخر لذا نرى أن إنقاذ الجنيه السوداني يمكن أن يتحقق عبر اصلاح المشاريع الاقتصادية الرئيسية مثل مشروع الجزيرة والصمغ العربي والفول السوداني والسمسم علاوة على استنهاض همم الشباب وتشجيعهم على مغادرة مجالس (ستات الشاي) والتوجه للمشاركة في تنمية اقتصاد الدولة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق