التطبيع مع إسرائيل على منضدة (قحت) .. من يكسب الرهان؟

الخرطوم: أحمد طه صديق
في الثمانينات أوقف جنود من القوات المسلحة السودانية  المرتكزين في خيمة تفتيش أمني على طريق بورتسودان الخرطوم اثنين من الأجانب فشلا في إثبات هويتهما فقاما بتقييدهما حتى تأتي قوة عسكرية لنقلهم للتحري معهم  ولم يمض وقت طويل عندما جاء ثلاثة رجال أجانب على متن سيارة صغيرة ووقفوا أمام الخيمة وتعمدوا أن يهمسوا بصوت خافض وعندها تقدم أحد الجنود نحو السيارة سارع أحد الراكبين في الخلف بإطلاق وابل من الرصاص فأردى على الفور الجنديين قتلى وقاموا بتحرير زملائهم ولاذوا بالفرار، هذه  الوقائع ذكرها أحد الضباط السابقين في جهاز المخابرات الإسرائيلي ( الموساد) عبر كتابه ( طريق الخداع) الذي سرد فيه عددا من العمليات التي قام بها الجهاز في عدد من الدول
، بيد أن هذه الواقعة لم تذكرها وقتها السلطات في العهد المايوي بزعامة الرئيس الأسبق جعفر نميري، ولم تعضدها جهة أخرى ربما لأن ملابسات الحدث لم تكن معروفة وربما تكون قد سجلت الجريمة ضد مجهول آنذاك ، ويقول الكاتب الإسرائيلي إن أسر عملائهم من الموساد كان من شأنه أن ينسف عملية نقل الفلاشا إلى إسرائيل التي وافق عليها نظام النميري وقام بتنفيذها جهاز أمن النظام في ذلك الوقت ، ولاقت امتعاضاً من القوى السياسية السودانية بعد سقوط النظام الذي قام بمحاكمة منفذي العملية من جهاز الأمن وعلى رأسهم رئيس الجهاز الذي أصبح أيضاً نائباً للرئيس نميري وتمت محاكمته بالسجن لفترة طويلة بينما مثل المشرف الأمني على العملية العقيد أمن الفاتح عروة كشاهد ملك مما قدم خدمة كبيرة لممثلي النيابة في القضية وعلى رأسهم النائب العام آنذاك عمر عبد العاطي .
مرحلة جديدة
وإذا كانت إسرائيل عبر عملية نقل الفلاشا قد دخلت برجالها عبر النافذة فالآن تطرق باب الدولة لتقديم بطاقة دعوة انضمام لمنظومة الدول المتصالحة معها مما يعني ضمنياً أنها  باب الاستعداء الفعلي ضدها كشن الحرب أو اللفظي في  الخطاب السياسي  أو على الأقل بعيداً عن عبارات الإدانة الساخنة لسلوك ومواقف إسرائيل التي درجت عليها الكثير من الدول العربية في حقب سابقة، تبلورت بوضوح في ما يعرف مؤتمر اللاءات الثلاث .
من يكسب الرهان ؟
منذ أن فاجأ الفريق أول عبد الفتاح البرهان الجميع قبل فترة أشهر قليلة بلقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي توالت ردود الفعل المعارضة والمؤيدة لفكرة التطبيع وإن كانت أصوات المعارضين هي الأعلى في مكون الحرية والتغيير بحكم مذاهبهم السياسية المصنفة في غالبها على بوصلة اليسار عدا بالطبع الصادق المهدي ، فالحزب الشيوعي يصنف إسرائيل كدولة إمبريالية توسعية هاضمة لحقوق الفلسطينيين وتمثل كياناً يميل إلى التمييز العرقي والديني ، بينما يمثل حزبا البعث بشقيه والحزب الناصري مشكاة واحدة تستمد زيتها من مكامن البعد القومي العربي الذي يرى في إسرائيل عدواً مركزيا ضد العرب يحتل أرضا غالية من خارطته الجغرافية ويهيمن على ثرواته وينكل بأهله وله مطامع إستراتيجية في كل البلدان العربية ، فالحزب الناصري متأثر بأفكار زعيمه الراحل جمال عبد الناصر الذي أصبحت خطبه الملتهبة ضد إسرائيل ملهماً للرأي العام العربي في حقبة الستينيات الأمر الذي جعل مصر هي المحطة والبوصلة التي تهتدي بها الشعوب والحكومات العربية في سياستها ضد إسرائيل ، بينما أحزاب البعث العربي ترى أن الأمة العربية قادرة على التوحد على أساس عرقي وحضاري في حين أنها تبنت دولها الحاضنة لهذا المذهب دكتاتورية قابضة لا يمكن لها أن تحقق أي قيم إيجابية عبر سياسة الصراخ والحشد القسري وإقصاء الآخر ، أما حزب الأمة القومي فرئيسه يرى في التطبيع مع إسرائيل يتقاطع مع أدبيات قاعدة طائفته الدينية التي خاض أسلافها قبل قرن من الزمان حربا دينية ضد المستعمر الذي يعتبره يمثل دولة الكفر آنذاك كما ينسجم مع تحالفاتها البرجماتية مع التيارات الإسلامية عند الضرورة بل حتى مع أدبياته كمفكر إسلامي .
بينما يشكل المؤيدون تيارات تشمل جل الحركات المسلحة التي انتظمت في التفاوض مع الحكومة لتحقيق السلام وسياسيين وربما اقتصاديين وأكاديميين ومواطنين مستقلين ، فمن يكسب الرهان اليوم عبر اجتماع مركزية الحرية والتغيير المعارضون أم المؤيدون ولكن مهما يكن فإن قطار التطبيع في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد يرى البعض ألا يكون النظر إليه بعيداً عن البيئة الظرفية الحرجة والاكتفاء بمثاليات المبادئ النظرية في عالم يتكأ دون رحمة على تحقيق مصالحه الذاتية .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق