في العلاقة مع مصـــــر

>  من الناحية النظرية، ليس هناك خلاف كبير حول عدم جدوى الدعم الحكومي لقطاعات الطاقة والسلع وأثره المدمر على الوضع الاقتصادي، فالأفضل في كل الأحوال ولأي اقتصاد كان، هو رفع الدعم الحكومي بالكامل وتوجيه موارد الدولة للقطاعات الإنتاجية وزيادة الإنفاق على الخدمات مثل الصحة والتعليم ومد اليد للفئات الفقيرة وإخراجها من قبو الفقر المميت، لكن من الناحية العملية لا يمكن أن ينهض مشروع إصلاح اقتصادي في ظل أوضاع سياسية مأزومة أو هشة ..
> وتصف الإصلاحات الاقتصادية من هذه الشاكلة، بأنها الإجراءات غير الشعبية، ولا تنال في الغالب رضىً شعبياً باعتبارها مؤلمة وقاسية وليست بذات أثر سريع ومباشر، وتلجأ إليها الحكومات في أوقات العسرة والشدة والأزمة ،وكثيراً ما ترتبط في كل دول العالم التي فعلتها مثل البرازيل وتركيا والأردن ومصر وإندونيسيا والمغرب وتونس وغيرها من بلدان العالم الفسيح، باشتراطات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث تقوم فلسفة إصلاح اقتصاديات دول العالم المختلفة لدى البنك وصندوق النقد على رفع الدعم الحكومي عن قطاعات الطاقة والمحروقات والسلع وتوجيه الدعم توجيهاً مباشراً.
> وتنجح كثير من الدول التي لاتعاني اضطراباً سياسياً قويا ًوفاعلاً في تجاوز أزماتها وتنجح في إصلاح اقتصادها بإرادة سياسية وطنية موحدة وتفهُّم كبير من عامة المواطنين لمقاصد الإصلاح وضروراته وما يستحقه من تضحية، ولا تُقدم الحكومات على هذه الخطوات إلا بتحفيز المواطن بإجراءات أخرى معاكسة في اتجاه رفع الدعم بتخفيف بعض الالتزامات عليه، مثلما فعلت حكومتنا في حزمة الإجراءات الحالية حيث تمت زيادة مرتبات العاملين بنسبة 20% وهي ضئيلة للغاية سيمتصها السوق سريعاً ..لذلك حزمة السياسات الاقتصادية الراهنة التي أعلنت قبل يومين، يجب أن ننظر إليها من الناحية السياسية أيضاً وأن نمعن النظر في الإجراءات الشبيهة التي اتخذت في بلدان مثل اليونان والبرتغال وغانا والبرازيل وتركيا والأردن وإندونيسيا ومصر والكويت وبلدان إفريقية عديدة لا تزال تعاني، حتى لا تكون نتائجها مشابهة لما حدث في بعض الأقطار ومنها   إندونيسيا عندما حاول رئيسها الأسبق سوهارتو إجراء إصلاحات في اقتصاد بلاده المختل، بإجراءات مماثلة من بينها رفع الدعم عن المحروقات وتحرير بعض السلع وكفت الحكومة الإندونيسية يدها عن دعمها دون تدرج ، إلا أن النتيجة كانت كارثية عليه وعلى نظام حكمه لأن الظرف السياسي كان أقوى وقام بجر الإجراءات والنظام الحاكم إلى الخلف .
> وذات الشيء حدث في دول أوروبا الشرقية، وفي بلدان غربية. وأما تجربة سياسة رفع الدعم والتقشف في الأرجنتين مثلاً التي اعتمدت في نهاية العشرية الأولى من هذا القرن فشلت في انتشال الاقتصاد ونيل رضى الشعب ووصل الكساد العام الى مستوى لم يصله الكساد العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي .
> ولم تفلح تجربة أخرى في غانا عندما فكرت الحكومة واعتمدت في العام 2011م سياسة رفع الدعم عن المحروقات والطاقة وبعض السلع ، إلا بعد تعويض المواطن بتسهيلات أخرى منها مجانية التعليم بعد إلغاء رسومه وخفض قيمة العلاج ودعمه، واعتمدت على الفور برامجا ً للتواصل مع الجمهور عبر الإعلام والاتصال المباشر لشرح أبعاد قرارات الدعم والنقاش الصريح على العلن حول مدى تأثير سياسات رفع الدعم على الفقراء كيفية الحد منه وكان دور الإعلام حاسماً عندما خرج الرئيس الغاني جون ماهاما لشعبه يخاطبه ويحاوره وطرح حواراً مجتمعيا ًحول فوائد السياسات التقشفية.  
> والمعروف أن سياسة رفع الدعم رغم وجاهتها اقتصادياً، إلا أنها تلقي بأعباء إضافية مرهقة على عامة الناس من الفقراء ولا تتأثر بها الفئات الغنية وأصحاب الأموال والتجارة والصناعة، بل يستفيدون منها بشراهة أكبر، خاصة مستوردي السلع ومقدمي الخدمات من القطاع الخاص .
>  ولعل كلمة السر في نجاح هذه الحزمة من السياسات الاقتصادية تكمن في إيجاد إدارة ذات كفاءة عالية للاقتصاد ومواجهة مواطن الخلل ولضعف والفساد، وأن يتم ذلك بأقصى ما يتوفر من سانحة وفرصة ، ووضع البدائل السريعة والمناسبة لمقابلة أي تطور في تطبيقات هذه الإجراءات .
> وعوداً الى الفكرة الرئيسة، ينبغي أن تتواءم السياسات الإصلاحية الاقتصادية الآلية التي أعلنت ، بتقديرات سياسية مدركة للمخاطر التي يتم فيها تطبيق هذه الحزمة من السياسات، فمهما قيل عن أن عامة الشعب راضٍ عنها او سيكون راضٍ عنها فهو حديث مخالف للواقع، ويقتضي ذلك تدابير سياسية عاجلة لمنع تداعي الأوضاع الحالية. ففي ظل الخلافات الحادة مع المعارضة تقاعس الشركاء الحكوميين، وخفوت سطوع الحوار الوطني وتأثير هذه الإجراءات عليه.. فلابد من إيجاد معالجة، فلو تركنا الأمور كما هي عليه الآن، فتكاد تطمره بالكامل..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق