نظام (المقايضة).. الحكومة ترجع للتجارة (البكماء)

الخرطوم:الخواض عبدالفضيل ـــــــ هالة حافظ
أجبرت الأزمة النقدية المتمثلة في عدم استقرار سعر العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم بجانب الإنكماش الاقتصادي، أجبرت الحكومة على استبدال المال غير المتوفر بإجراء التجارة بنظام المقايضة التي كان يستخدمها البشر خلال مرحلة فجر الإنسانية، بدلاً من الأموال لشراء السلع أو تبادلها، وبعد إعلان وزراء بالحكومة عن فراغ خزاناتهم من النقود وفقدان إيرادات تسيير عمل هذه الوزارات بات أمر المقايضة أمر واقعاً، الأمر الذي يعتبره البعض طريقة جيدة في أوقات الأزمات الاقتصادية والانهيارات كالتي تعاني منها البلاد حالياً، من أجل التعايش والحصول على سلعة أو خدمة دون الحاجة لحمل صناديق من النقود السائلة عديمة القيمة.
إفلاس متأخر
وفي المقابل يعتبر نظام المقايضة في واقع الحال بات قاصراً على مجاراة التطور الحضاري الذي ساد المجتمعات، فالمقايضة ليست الصورة المثلى للتبادل واتمام المعاملات الاقتصادية، حيث زادت حاجات الإنسان، وبرزت بالتالي عيوب نظام المقايضة التي أشار اليها استاذ الاقتصاد بجامعة ام درمان الاسلامية د. محمد خير حسن، والذي أكد في حديثه لـ (الإنتباهة) أن العودة لنظام المقايضة إفراز لأزمة عميقة ضربت بجذورها في الاقتصاد السوداني ووصلت إلى مراحلها المتأخرة ما قبل إفلاس الدولة، وأضاف في تعليقه على اتجاه الحكومة نحو استخدام النظام قائلاً ان الاعتماد على نظام المقايضة يتم عند انعدام وسيط للتبادل (نقود) ولها صفة القبول العام لتصبح وسيطاً للتبادل التجاري، مشيراً الى أن الأمر كان سائداً في القدم عندما لم تظهر النقود بشكلها الحالي، وقطع بأن أشد ما يعاني منه الاقتصاد السوداني في أزمته الحالية الضعف الكبير في قيمة الجنيه السوداني الذي تهاوى إلى درك سحيق بصورة لم يكن لها مثيل من قبل، وكاد أن يصل لوضع تصبح فيه الأوراق ليس ذات قيمة وغير مبرئة للذمة، واضاف قائلاً: هذا الوضع سيتفاقم ما لم تتوفر أرصدة كافية من العملة الأجنبية لدى بنك السودان، واعتبر الإجراءات البوليسية وحالة الطوارئ الاقتصادية التي فرضتها وزارة المالية في الأيام الماضية لن تحل مشكلة النقد الأجنبي بأي حال من الأحوال، مستنكراً استيراد سلع كمالية مع حالة الانهيار الاقتصادي التي تشهدها البلاد وعلى حافة الإفلاس التام الذي يتطلب إغلاق تام للسودان.
فشل ذريع
ووصم محمد خير العودة للنظام التقليدي لتوفير السلع الاستراتيجية بأنه إشارة للفشل الذريع للطاقم الاقتصادي، والعلاج معلوم بتحقيق وفرة للنقد الأجنبي بتحفيز الصادر وتحسين قطاع الذهب وتحفيز المغتربين بالامتيازات المجزية والخاصة وإغلاق الواردات، وزاد قائلاً: العودة للمقايضة مع الاشارات المزعجة جداً بها دلالة إيجابية واحدة تتمثل في (ظني) ان الحكومة كانت احد العوامل التي أدت لتزايد قيمة الدولار أمام الجنيه السوداني، لدخولها في فترات كثيرة في السوق الموازي كمشترٍ للعملة لتوفير السلع الاستراتيجية التي تتحدث عنها الآن، واتجاهها للمقايضة يعني أنها أوقفت الشراء من السوق حتى لا تفاقم التضخم وتدهور الجنيه السوداني أكثر مما هو عليه.
مفهوم بائد
ويدار مسعى نظام حكومة الفترة الانتقالية الجديد بشأن نظام المقايضة للتحايل على الأزمة الاقتصادية ونقص الإيرادات بحرج بالغ، حيث تتكتم عليه الوزارات دون الخوض فيه علنياً، الأمر الذي اعتبره الباحث في الشأن الاقتصادي بدر الدين ابراهيم أنه يوضح بجلاء ان الانهيار الاقتصادي الحالي الذي كان متوقعاً نتيجة لسياسات مليئة بالاخطاء التي جعلت جهات حكومية تتعامل بنظام المقايضة والذي يعتبر اقراره ـ حسب بدر الدين ـ عودة الى الخلف بسرعة الصاروخ، لاسيما ان ذلك يعتبر مفهوماً اقتصادياً ساد في عصور قديمة وبالية ثم باد ولا يصلح لأن يكون للتعامل الاقتصادي في العصر الحديث، ولفت في حديثه للصحيفة الى ان التعامل بنظام المقايضة يعتبر ردة عن احد الشعارات التي رفعتها الحكومة الانتقالية عند بدء تكوينها عندما قالت ان الاولوية لحل المشكلات الاقتصادية، وهذا يؤكد الفشل الكبير في هذا الملف الذي اصاب المواطن السوداني باحباط كبير.
تعقيدات اقتصادية
ويعتقد بدر الدين أن العملية الاقتصادية احد ابرز التعقيدات التي جابهت الحكومة الانتقالية نتيجة لعدة اسباب، ابرزها عدم ايجاد حلول آنية للمشكلات التي تواجه المواطن السوداني الذي اصبح يئن من وطأة سوق يضاعف اسعاره على مدار الساعة دون حسيب او رقيب، فضلاً عن عدم حسم ما يعرف ببؤرة الفساد التي اضحت هاجساً فشلت كل الحكومات المتعاقبة في ايقاف سمها الزعاف الذي نخر جسد الاقتصاد من كل الجوانب. ونبه في ذات الاثناء الى اعتماد الحكومة على الدعومات الخارجية المربوطة سلفاً باجندة سياسية معقدة، والتي ان تم تنفيذها يتم دعم الحكومة وان لم يتم تنفيذها ترفع عصا العقوبات، كما تمسك أمريكا بعصب اقتصاد البلاد من خلال عصا وجزرة العقوبات الاقتصادية ووضع اسم السودان في لائحة الارهاب.
حل أزمة
ويبدو أن الذهب الذي ارتفعت مبيعاته بشكل غير مسبوق على مدار الأشهر الأخيرة، سيكون وسيلة الحكومة الأولى لإتمام صفقات المقايضة هذه التي يأتي على رأسها الغذاء في ظل أزمات اقتصادية طاحنة داخل أسواق البلاد، وهذا ما ذهب اليه رئيس قسم الدراسات الاقتصادية بمركز الراصد د. الفاتح عثمان محجوب، وركن الى القول بأن فكرة المقايضة جاءت كمحاولة من بنك السودان لحل أزمة مديونية مطاحن القمح التي توقفت عن العمل بسببها، وهو أمر نتج عنه شح كبير في الخبز في معظم أرجاء السودان، وبما ان بنك السودان لديه ذهب فقد عرض على المطاحن المتوقفة سداد جزء من مديونيتها ذهباً، وهي ديون تصل الى (21) مليون دولار، وبما ان قيمة الذهب لا تزيد عن مائة كيلوجرام، فهي اقل بكثير من المديونية، ومن هنا اتى الرفض من الشركات، واردف قائلاً: الآن يوجد انفراج في التفاوض بين الشركات ووزارة المالية، وغالباً يتم التوصل الى اتفاق في غضون اليوم او يوم غدٍ.
استمرار الأزمة
واستدرك الفاتح بقوله ان انعدام النقد الاجنبي في خزانة بنك السودان المركزي أمر طبيعي في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها الدولة السودانية، مبيناً ان أزمة شح النقد الأجنبي في السودان أزمة حقيقية تحتاج إلى دعم دولي للخروج منها بشكل عاجل، والا فستستمر لعدة سنوات قادمات إذا استمرت الحكومة في سياساتها الاقتصادية الحالية التي تشجع الاستهلاك والاستيراد وتحارب الإنتاج والصادر.
بلا معنى
وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية الحادة القائمة بالبلاد والتى تمضي في طريقها لمزيد من التفاقم بالتزامن مع هبوط إنتاج البلاد والتضخم المفرط الذي تسبب في عدم وجود قيمة للعملة المحلية، فإن قضية عرض الذهب على المطاحن كتسوية ليس لها معنى بحسب الخبير الاقتصادي د. محمد الناير، واستند في حديثه لـ (الإنتباهة) الى ان الذهب كقيمة يعتبر نقداً، وكان يمكن ان يتم تصديره وبيعه في حال مطالبة المطاحن الدولة بالدولار، وأضاف قائلاً: كان من باب اولى ان تعمل الدولة على تصدير الذهب وتدفع الدولة المقابل للمطاحن في حال وجود مديونية، ولا معنى للمقايضة الا ان تكون الدولة تحاول وضع كمية الذهب كضمان للسداد في مرحلة قادمة لحين ترتيب الدولة للاوضاع، لكن كمقايضة لا معنى لهذا الامر . أما في ما يتعلق بنظام مقايضة البنزين بالجازولين فقد أكد الناير أنه لا غبار عليه، لجهة ان السودان منتج لكميات كبيرة من البنزين وكمية اقل من الجازولين، الا ان استهلاك الجازولين أعلى، ولا يوجد مانع في حال اشتركت الدولة مع الشركات المستثمرة للبترول بغرض فائدة الدولة.
التجارة البكماء
بينما يخالفه الرأي الخبير الاقتصادي بالمؤتمر الشعبي د. احمد آدم سالم بأن المقايضة اول مرحلة من مراحل التجارة في حياة الانسان، وقال انها تسمى التجارة البكماء، واكد انه في حال ارادت الدولة انتهاج نظام المقايضة في البيع والشراء تكون قج رجعت للعصر الحجري، معتبراً انه فعل غير رشيد، مطالباً الدولة بالاضطلاع بدورها ببيع الذهب في السوق الحر العالمي وفق البورصة العالمية، وتأتي بعوائد الصادر سلعة القمح، اما ان تقايضها فهذه ردة في العمل لادارة المال والاقتصاد .
ويذهب الخبير الاقتصادي د. عادل عبد المنعم الى وضع أسس وقواعد لتطبيق نظام المقايضة بالبلاد، وقال لـ (الإنتباهة) ان الافضل في هذا الاتجاه ان تتم المعاملات بصورة مباشرة بالعملات المحلية او الحرة، لجهة انها تحفظ حقوق الدولة وحساباتها القومية وهذا الامر الطبيعي، لكن البلاد الآن تشهد وضعاً غير طبيعي خلال هذه الفترة الانتقالية، لجهة ان الحكومة تعاني من شح كبير في العملات الحرة، وقد ورثت من العهد البائد عجزاً كبيراً في الموارد، فضلاً عن الضغط في جميع الاحتياجات من وقود وقمح وغيرها، لافتاً الى ان ما يهم في هذه الظروف توفير السلع بغض النظر عن الوسيلة، متأسفاً على الرجوع الى عهد ما قبل استخدام النقود وقبل اكتشاف النقود والاوراق المالية، بيد أنه عاد وبرر ذلك بأن الحاجة هي ام الاختراع ، اما الشركة التي اوكل لها ان تقوم بتصدير الذهب مقابل ان تأتي بقدر معين من الوقود والقمح وما الى ذلك، فهذه اساليب تم اللجوء اليها لتغطية العجز ورفع المعاناة عن المواطنين، لكن بعد استقرار الاوضاع وانسياب الموارد المالية ستستقر الامور وترجع الى طبيعتها .
وقال: كان يفترض على وزارة المالية ان تلجأ لما لجأ اليه بنك السودان بعد انفصال الجنوب الذي كان يوفر من الذهب ملياري دولار بشراء الذهب مباشرة بواسطة البنك وبيعه في بورصات دبي، وقد كان المتعامل الاساسي في الذهب، ولكن الآن بيع الذهب يتم عن طريق السماسرة اضافة لأكثر من عنصر ومعاملات غير مباشرة، وهذا يؤدي الى اللجوء لدفع وزارة المالية لقطاع معين بأن تدفع للمطاحن مثلاً الذهب او ان تدفع لمستوردين معينين بأن تسمح لهم بتصدير الذهب مقابل استيراد اشياء اساسية وقد دخلت المعاملات في اشياء غير مباشرة، مشدداً على ان يرجع بنك السودان الى الخبراء الاقتصاديين الموجودين في تلك المعاملة ايام المحافظ الاسبق لبنك السودان د. محمد خير الزبير، وبعد انفصال الجنوب وفقدان 90% من الموارد المالية كان يتم شراء الذهب مباشرةً، وهذه افضل وسيلة للفترة الحالية لاستقرار الأمور .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق