السودان: هيثم كابو يكتب: النيل الأزرق والوضع الأخرق!

] .. والذين يبحثون عن ثورة ديسمبر المجيدة؛ وقيمها؛ وتجلياتها؛ ورموزها، وتضحياتها، وفنونها، وأغانيها، وأشعارها، وآمالها، وتحدياتها، وأيقوناتها، لن يجدوها على شاشات قنواتنا الفضائية لأن معظم المتحكمين في شؤونها غير مؤمنين بالتغيير، ويرونه حل على رؤوسهم وبالاً، ولكن (المعايش الجبارة) تضطرهم للتعامل معه في حدود ضيقة، بفقه (الأمر الواقع)، ومتى ما حانت فرصة لإظهار وجوههم الحقيقية، فعلوا ذلك دون أن يرتجف لهم جفن، أو يسجل التاريخ لهم موقفاً، ودونكم ما حدث عقب مجزرة فض الاعتصام، وكيف داست قنواتنا بأحذية التجاهل على دماء الشهداء، وكأنها لم تستفد من درس المقاطعة الشعبية في ديسمبر، فانقسموا ما بين مشوهٍ لصورة الاعتصام (إسماعيل عيساوي نموذجاً)، ومبرراً لخطرفات (حدث ما حدث) بأحاديث ممجوجة عنوانها الهذيان، ومنذ الثالث من يونيو وحتى الثلاثين منه دخلوا في حالة فقدان وعي، وأطبق عليهم للأسف (صمت الحملان) ..!
] تحدثنا عن قناة الشروق المستردة أمس، وليتكم لا تسألوني اليوم عن الوضعية الإدارية بقناة النيل الأزرق الفضائية؟، وكيف أن (مال الشعب)، وأسهم الناس، وحقوق الغلابة التي يدفعونها دماً من الضرائب التي قصمت ظهورهم، أضحت منذ الثاني من شهر أبريل المنصرم مالاً سائباً، لا أحد يعرف كيفية صرفه، وأين يذهب، ومن يراقبه داخل القناة، فبعد إعفاء لجنة إزالة التمكين لحسن فضل المولى (ممثل الدولة حتى ذلك الوقت) في الشراكة مع رجل الأعمال وجدي ميرغني لا أحد يريد تعيين مدير جديد، وأكثر من خمسة أشهر، والقناة تحت إدارة شريك واحد، و(الحق العام لا بواكي عليه)..!
] قصة النيل الأزرق معروفة لمعظكم، فحوالي ٥٤٪ من أسهم القناة يملكها رجل الأعمال وجدي ميرغني، وبضعة أسهم لصالح الكامل، والمتبقي تملكه الدولة، وكان الاتفاق الأول منذ الشراكة أن يكون وجدي ميرغني رئيساً لمجلس الإدارة، ومدير الشؤون المالية والإدارية، تابعاً له كي يقف على كيفية تسيير كافة الجوانب ذات الصلة بالمال والمراجعة، ورقابة حقوق من يمثله، بينما يمثل الدولة التي تملك أكثر من ٣٠٪ من الأسهم مدير القناة، مع تقسيم عضوية مجلس الإدارة، إذ كان الطاهر حسن التوم عضواً بالمجلس عن (مجموعة وجدي ميرغني)، واستبدله وجدي مؤخراً بعمار شيلا الذي دخل القناة في منصب فني (مدير برامج) رشحه له الطاهر التوم عقب الشراكة الأخيرة.
] بعد تشكيل الحكومة المدنية أبقت وزارة الثقافة والإعلام الحال على ما هو عليه لمدة سبعة أشهر، وظل حسن فضل المولى ممثلاً للدولة في مراحلها الثلاث (حكومة البشير، المجلس العسكري، حكومة حمدوك)، حتى جاء الثاني من شهر أبريل المنصرم، وأعلنت لجنة إزالة التمكين إعفاء حسن فضل المولى، ومنذ أكثر من خمسة أشهر لا وجود للدولة و(شراكتها) في القناة البتة، فمدير الشؤون المالية والإدارية يتبع لمجموعة وجدي، ومدير البرامج المكلف بالإدارة الآن عمار شيلا يتبع أيضاً لوجدي، بل ويحتل مقعداً داخل مجلس الإدارة بوصفه ممثلاً لمجموعته، فهل نفضت الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام يدها عن القناة نهائياً وتركت أمر إدارتها، أم أنها لا ترى أمامها كوادر إدارية مؤمنة بالتغيير بوسعها إدارة القناة، لا سيما في ظل العمل المنظم بتفانٍ تام لنشر ثقافة اليأس وسط الناس عبر وسائل الإعلام التي من المفترض أنها تتبع للدولة، ويجب أن تبث في الناس الأمل، وتحفزهم على الإنتاج، وتعمل على تغطية أنشطة لجان المقاومة وعكس تفانيها، مع التنبيه لإشكاليات الفترة الانتقالية، وضرورة نبذ العصبية، وتعزيز قيم ثورة ديسمبر الداعية للتعايش السلمي، زائداً حث الناس على الصبر بغية (العبور والانتصار) وضرورة تحمل المسؤولية الوطنية والأخلاقية.
] ليس، من مصلحة وجدي ميرغني استمرار هذا الوضع المختل، فغداً سيأتي مدير ممثل للدولة إن – قام برفع توصية تعيينه فيصل محمد صالح أو وزير آخر – وحينها، ستزداد الفجوة، ومساحة التشاكس، وتبدأ التحفظات التي قد تصل لمرحلة التشكيك، لذا مسؤوليته كرئيس مجلس إدارة مطالبة الوزارة بتعيين مدير في أسرع فرصة، وإن تعنتت وماطلت ينبغي أن يعلن ذلك للرأي العام، لإخلاء مسؤوليته الأخلاقية والإدارية، أما وزارة الإعلام فهي صاحبة المسؤولية الكبرى في هذا الوضع الغريب حقاً، فلا أعرف سر قبولها بهذا الفراغ العريض، لا سيما وأن هناك أسماء عديدة بإمكانها تولي القناة، وتحريكها في مشاريع البناء والإعمار وتفعيل الأوساط الثقافية والفنية بوصفها (قناة منوعات)، فالأمر لا يحتاج من الوزارة كل هذا الوقت المهدر في البحث والتفكير، وإن لم يجدوا شخصاً بالمواصفات التي يريدونها الآن، فلماذا لا يكلفوا كادراً من داخل التلفزيون القومي كشكر الله خلف الله مثلاً، أو شخصاً ذا قيمة ووزن من خارج حوش التلفزيون كأزهري محمد علي أو الشفيع عبد العزيز بإدارتها حتى إشعار آخر.
] طالما أن وزارة الثقافة والإعلام لا ترى هذا الفراغ الإداري العريض، فطبيعي جداً ألا يكون للسلام، والحريات المتاحة الآن، ومؤتمر أصدقاء السودان، وعودتنا للمجتمع الدولي قيمة إعلامية تبشيرية، ومن حق أية مذيعة أن تمد لسانها ساخرة في وجه متصل مهموم بحال البلد، ومطالب بزيادة جرعة التفاؤل، وتقليل نسبة إحباط الناس التي تبدأ بها البرمجة منذ الصباح الباكر، متهكمة : (أجيب ليك أخبار مفرحة من وين حبيبي أنا؟).
نفس أخير
] شاشات الدولة تخاصم الثورة!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق