التطبيع على مائدة الحكومة.. هل يصبح واقعاً ؟

الخرطوم: أحمد طه صديق
ربما لم تجد زيارة أي مسؤول حكومي اهتماماً وترقباً وتداولاً كبيراً حول إسقاطاتها المتوقعة من قبل كافة القطاعات في السودان مثلما لاقت زيارة البرهان إلى دولة الإمارات العربية التي استمرت ثلاثة أيام، باعتبار أن الزيارة لم تكن في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين أو بحث تعاون اقتصادي للسودان بل لأنها ارتبطت بالتطبيع مع إسرائيل، وهو أمر يمثل تقاطعات عديدة في السودان ما بين تلاق وتعارض.
ويعزي مراقبون وجود آراء تقبل التطبيع مع إسرائيل في الماضي القريب داخل السودان كانت تعتبر حالة استثنائية وربما تعبر عن نفسها على استحياء، باعتبار أن السودان كبلد عربي ومسلم الأغلبية لم يكن ينفصل عن العقل الجمعي الذي غذته رياح القومية العربية الناشطة في فترة الستينيات وبروز حربين في المنطقة في عام 1967 التي خسرها العرب حينما ضرب الطيران الإسرائيلي الطائرات المصرية وهي جاثمة على الأرض وما ترتب عليها من احتلال أجزاء من الأرض العربية وكذلك حرب أكتوبر التي حقق فيها المصريون نصراً باقتحام خط بارليف الحصين وتحرير جزء من الأرض قبل أن تتدخل الولايات المتحدة وتعين إسرائيل تكتيكياً فقامت بمحاصرة الجيش الثالث المصري وانقلبت بعدها الموازين السياسية والعسكرية في المنطقة برمتها .
الطريق إلى تل أبيب
يرى المتابعون للشأن العربي أن التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة كانت لها علاقة مباشرة بالتقارب بين الدول العربية والولايات المتحدة فنمو القوة العسكرية الإيرانية ومحاولة طهران المستمرة لتمديد نفوذها السياسي في المنطقة العربية بأذرع أمنية والسعي لتصدير الخطاب الديني ذي الخصوصية المذهبية المتقاطعة مع النهج السني جعل بعض دول العريية تسعى للحماية والسند الأمريكي خاصة في ظل نشوء حروب بالوكالة في المنطقة لم تكن إيران بعيدة عنها، ولأن هذه الدول تعلم أن السياسة الأمريكية ترتبط بالمشابك الإسرائيلية لهذا لم يكن لتلك الدول خيار تعلن فيها رأياً مخالفاً في خضم البيئة الظرفية الملغمة بمطبات الحروب وما يترتب عليها من نزف اقتصادي ومهددات امنية وسياسية لها .
السودان وإسرائيل
لم يكن الحديث عن التطبيع مع إسرائيل جديداً في السياسة السودانية ولكنه برز على استيحاء إبان النظام السابق وسبق أن ألمح لهذا الأمر في منتصف التسيعنيات د. أبو صالح وزير الخارجية لكن يبدو أن ما صرح به لم يلاق قبولاً من عرّاب النظام آنذاك د. حسن الترابي سيما أنه كان يحتضن بعض الحركات الإسلامية الراديكالية تحت ما عرف بالمؤتمر الإسلامي فأطيح به من منصبه .
بيد أن حديث التطبيع مع إسرائيل عاد مجدداً بكثافة بعد لقاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة قبل عدة اشهر برئيس الوزراء الإسرائيلي نيتنياهو بدولة يوغندا عبر لقاء يبدو أن الولايات المتحدة قامت بترتيبه تماماً كما فعلت قبل أيام قليلة حينما رتبت لقاءً آخر بين وفد السودان بقيادة البرهان ووفد أمريكي، وكانت العديد من الوسائط الإعلامية الدولية قد أشارت إلى مآلات تلك الزيارة وحصادها السياسي والاقتصادي فقد أشارت صحف غربية أن الفريق البرهان قد طلب مبلغ عشرة مليارات دولار و رفع اسم السودان فوراً من قائمة الإرهاب إلى جانب استثمارات أمريكية في مجال الزراعة والصناعة والسكة الحديد نظير التطبيع مع إسرائيل بيد أن الولايات المتحدة وعدت بمنح السودان مبلغ ملياري دولار بالإضافة إلى ضمانات للدعم الاقتصادي خلال ثلاث سنوات وإزالة اسم السودان من لائحة الإرهاب .
حصاد الزيارة
بالرغم من بعض أن المصادر المحلية أشارت إلى وعد الولايات المتحدة بتقديم حوالي سبعة مليارات دولار مجدولة على سنوات محددة واستثمارات واعدة في مجال النفط وتطوير السكة الحديد مقابل التطبيع مع إسرائيل وأن رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان سيطلع مجلسي السيادة والوزراء عبر اجتماع مشترك على تفاصيل الزيارة والبت حولها قبولاً أو رفضاً .
وكان مجلس السيادة في بيان له قد أعلن ان المباحثات ناقشت رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والقيود الأخرى التي تفرضها الولايات المتحدة على المواطنين السودانيين مثل حرمان السودانيين من المشاركة في قرعة (اللوتري) وقانون سلام دارفور وغيرها.
كما بحثت مستقبل السلام العربي الإسرائيلي، الذي يؤدي إلى استقرار المنطقة ويحفظ حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقاً لرؤية حل الدولتين، فضلاً عن الدور الذي ينتظر أن يلعبه السودان في سبيل تحقيق هذا السلام. وأكد أنه سيتم عرض نتائج المباحثات على أجهزة الحكم الانتقالي بغية مناقشتها والوصول الى رؤية مشتركة حولها تحقق مصالح وتطلعات الشعب السوداني، وبالرغم من أن البيان لم يتطرق لقضية التطبيع مع إسرائيل لكن القرائن والتسريبات الدولية والإقليمية والمحلية تشير إلى هذا البند وما تبعه من اشتراطات وتفاوض ونتائج تم الاتفاق عليها مبدئياً ستكون حاضرة على طاولة المجلس المشترك، والمنتظر أن يلاقي النقاش حول هذه القضية عدداً من التباينات الرافضة والمؤيدة فمن المتوقع أن ينحاز السيادي لخيار التطبيع مدعوماً ربما بموافقة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بينما سيتحفظ عدد من مجلس الوزراء على الموافقة ربما لأن أصواتاً عديدة ترتفع بالرفض من قبل الحاضنة السياسية للحكومة (الحرية والتغيير) بيد أن متغيرات عديدة قد طرأت في الخارطة السياسية والاجتماعية من شأنها أن تجعل خيار التطبيع أمراً ممكناً بالنظر للأوضاع الاقتصادية الضاغطة التي تواجه البلاد ويعاني منها الشعب الأمر الذي يجعل التمسك بمبادئ مثالية تمد لسانها للواقع الظرفي الحالي أمراً قد يعده البعض في خانة الطفولة السياسية والجمود الفكري في عالم أصبحت فيه السياسة تعتمد على حسابات المصالح وتتقلب في التكتيكات المرحلية دون تحفظ .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق