السودان: محجوب مدني محجوب يكتب: عاداتنا إسلامية خالصة

رحابة أرضنا، وخصوبتها. وتنوع تربتها، وجريان النيل بفروعه المتعددة خلالها من أقصى الجنوب إلى أن يفارقنا، حبانا صفات حرم منها الكثيرون.
فهذا اليقين الذي يتصف به السوداني لم يأت من فراغ، فإن كان الآخرون تتملكهم شفقة، وحرصا زائدا وخوفا من المستقبل بسبب ما تتصف به طبيعتهم من ضيق، وشح، وفقر، وعوز، فقد حبانا الله طبيعة انعكست على صفاتنا وأخلاقنا.
فالخيرات التي تتمتع بها أرضنا أبعدت عنا التملق والتمسح للآخرين.
وجعلت مفهومنا للعلاقات الإنسانية يختلف عن الآخرين، فإن كان الآخرون يطبقون قاعدة الجنس للجنس رحمة، فنحن نطبق قاعدة الإنسان للإنسان رحمة.
فننظر إلى الأمكنة بسعة أرضنا، ورحابتها، ونراها بعيننا التي نشأت وتربت على السعة، والفضل، فنرى كل مكان يسعنا ويسع غيرنا، فهو بنا وحدنا موحش وبائس، ومع غيرنا مونس ومفرح.
فالإنسان ابن بيئته، فإن كانت البيئة ثرة وغنية بالخيرات خلفت إنسانا يحمل نفس صفاتها.
فلا نستغرب الشح عند من يملك المليارات، فسببه نشأته في بيئة شحيحة فقيرة، فقد جعل الله لكل شيء سببا.
وصفاء ماء النيل مع صفاء تربتنا من كل تلوث انعكس على صفاء ذهننا وسرعة بديهيته، فصار السوداني معروفا بذكائه وفطنته، وبروزه في مجالات العلم على مستوى العالم.
ولم تقف صفاتنا الإسلامية التي دعمتها بيئتنا على مواردنا الطبيعية، وإنما شملت أيضا سحنة ولون بشرتنا بتنوعها، واختلافها، ففي البيت الواحد تجد جميع ألوان البشرة مما رسخ ثقافة التنوع، والاختلاف لدينا، فلون البشرة الواحد يجعل الجمال واحدا والمواقف واحدة، ويجعل الكل يميل إلى جهة واحدة.
أما نحن فلا ننظر إلى الأمور من شكلها، فبيئتنا علمتنا على أن اللون ليس بالضرورة أن يعكس شخصية صاحبه، وإن كانت هذه القاعدة تمثل موقفا إسلاميا صرفا إلا أنه يحتاج لمن يجل ويقدر لونا واحدا أن يرشد إليها ويوجه لها وتشرح له قيمتها، أما نحن فقد ساهمت ألواننا المتعددة في ترسيخ هذا المبدأ الإسلامي لدينا دون شرح وتوضيح.
وقد ننبهر أحيانا بلون جذاب، ولكن في قرارة أنفسنا ندرك أن اللون لا يعبر عن شخصية صاحبه بالضرورة؛ لكثرة تنوعه عندنا.
وهكذا كلما ارتبطنا ببيئتنا الغنية بالخيرات وبأنساننا المتعدد الألوان تجد صفاتنا إسلامية أكثر منها جاهلية.
ولم يتغير الإنسان عندنا إلا بعد أن سكن الغابة الأسمنتية، وفتح عيون أولاده على الثقافة الخارجية، فأبدلت كرمه شحا، وغناه فقرا، ووده وأنسه وحشة ونفورا.
أثرت الطبيعة على أخلاقنا وعاداتنا، فحينما ابتعدنا عنها ولم نصبح نشاهدها، ولا نمارسها في حياتنا اليومية اختفت معها تلك الصفات التي منحتنا لها من رحابة صدر، وسعة بال، وتكافل، وحب للخير، وإيثار.
النيل، والأرض الواسعة، والأمطار الغزيرة، ومنتجاتها الغنية، والمتنوعة لا تفهم في السياسة.
فإن كانت أخلاقنا سمت وارتفعت بسبب طبيعتنا إلا أن إدارة شؤون حكمنا لم تكن تحتاج إلى أخلاق وصفاء ذهن بقدر ما كانت تحتاج إلى حنكة وخبرة بأمور لا علاقة لها بالنيل وبالأرض.
نشاط السياسة بعيد كل البعد عن الخيرات، والنيل بل ربما تأثيره عليها يكون سالبا بسبب ما يجعلها خاملة كسولة لا تحتاج إلى تغيير .
فالمدنية، والتطور الإنساني وانفتاحنا على العالم سلبنا صفاتنا الإسلامية الإنسانية التي ساهمت الطبيعة في ترسيخها وتكوينها.
ولم يكتف العالم بهذا الانسلاب الذي ابتلانا به بل حرمنا معه من إيجابياته التي تتمثل في خبراته السياسية التي لا علاقة لها بالموارد الطبيعية.
فحالنا الآن في أسوأ مراحله ولا تسر حبيبا، فما كنا نتميز به أصبح مهددا بالانقراض، وما يميز غيرنا ما زلنا بعيدين عنه كل البعد.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق