السودان: العيكورة يكتب: تستاهلُوا يا ناس الخُرطُوم

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)
(أيوه) و(تانى) تستاهلوا وقبل أن تسألني لماذا؟ دعني أنقل لك عزيزي القارئ كيف كان ريفنا الحبيب ولوقتٍ قريب لم يكُن يخلو بيتاً من جوالات الذرة والقمح و(العدسية) كنا نسميها (لوبا عدسي) ولكن أصابتها العولمة فأصبحت (عدسية)! و لم يخلو (حوشاً) من أحواض الجرجير والبصل والملوخية ولا يخلو بيتاً من قفص الدجاج وبرج الحمام أعلى المنزل ولا يخلو بيتاً من سخلات وعتّان تقفز هنا وهناك و(حنفية) بوسط الحوش تفترشُ النجيلة هى بمثابة وردٌ للحمام والدجاج والاغنام وغسيل العِدّة. كانت غرفة المعيشة هي السفرة والمطبخ وإتكاءة (الجبنة) وكانت (ريكة) الكسرة يأكل منها الناس والأغنام ولقطط المنزلُ منها نصيب (مملّح بالويكة) لم يكونوا يشتكوا من (الأنيميا) ونقص الحديد ولا الهزال البين ضلعه ولا شحوب اللون واصفراره كانوا يمتازون بالنشاط والصحة وخفة الأجسام وقوة البنيان. ليس في قاموسهم (الرغيف) رغم وفرته في فرن القرية ولا يعرفون شيئاً عن الوجبات السريعة بل ومنهم من (يعاف) رائحة الدجاج والبيض إذا طُبخا. لا يخلو منزل من زير ماء بارد (ينقط) وشجرة وارفة للقيلولة وراكوبة يداعبها النسيم أعلاها (مُشلعيب) من الحبال يحفظون به ما تبقى من طعامهم بتعريضه للهواء البارد حتى لا يفسد ولم ير بعضهم الثلاجة والغسّالة حتى غادر الدنيا!
فماذا دهاكم يا أهل الخرطوم ألم يأتي معظمكم من الارياف؟ مالكم أول من يصطفُ خلف أفران الرغيف ومحلّات الغاز ومالكم تفزعون إذا قُطع التيار وغابت الماء لساعات ومالكم تنتظرون الحٌكومات أن تُطعمكم في أسرتكم أهكذا هي المدنية وحياة الخرطوم أين ثقافة الإدخار أين برميل الماء بالمنزل أين شوال العيش وكيلة القمح أين ربع العدسية والفول السوداني وكيلة التمر أين لمبة الجاز و(بابور) الجاز وعود الحطب للوقود بل وأين (الكانون) نفسه؟ ولماذا تخلو مطابخكم من الحرجل والمحريب والحلبة والجردقة (صيدلية بلدية مُتكاملة)! ولماذا (الانترلوك) داخل أحواشكم و(أصايص) الزهور وأنتم جوعى تلعنون غلاء الطماطم وانعدام البصل فهل يخلو بيت من قطعة أرض مترين فى مترين؟ يا سادتي المصريون زرعوا البطاطس والطماطم على (البلكونات) وعلى أواني الفخّار فهل فهمتم لماذا أنتم أول من يصرخ إذا أصبح الصباح تضعون كامل ثقتكم في (النقود) فهل ينفع العطشان بريق الذهب؟ يا سادتي اقرأوا مقالي هذا وألقوه جانباً وسموني قرويُ (قُح) أو قولوا ما شئتُم فأنتم تنتحرون ببطء. فليلتفت كل واحدٍ منكم داخل منزله هل لديه شيُ مدخورٌ للغد وهل تشاركه الفئران أصلاً؟ أراهن أنكم لن تجدوا شيئاً. ثقافة الإدخار غائبة عن الكثيرين منكم فأنهضوا من سباتكم يا أهلنا (فوالله) قليلاً من القمح والذرة والتمرٌ والعدسي إذا توفرت صدقُوني لن تهمكم صفوف الرغيف وإن وصلت أقاصي (سنّار) فلماذا تنتظرون الحكومات حتى في (صينية) غدائكم اليومية؟ وهل انسان الريف ينتظرها كما أنتم؟ وهل يلعنها ذات اللعنة اليومية التي تمارسونها مع جميع الحكومات بسبب كسلكم! يا سادتي رأينا بالخارج مُنتجاتنا البلدية (الما عاجباكُم دي) تُباع وتُعرض في أرفف أغلى الاقسام بالأسواق الحديثة يُسمونها بالطبيعية (organic) المكرونة والبليلة والقمح، حدثني أحد المُختصين في علم المناعة أن من أهم غذاء قوات (المارينز) بالجيش الامريكي هي الفاصوليا الحمراء يعني بالعربي (كده) (ياها اللوبا عفن حقتنا)!
فيا (ناس) الخرطوم (بدل) تنشطوا شبكاتكم وتشحنوا (موبايلاتكم) و(تتفشخروا) على الفارغة نشطوا ثقافة الإدخار في بيوتكم وأزرعوا ولو مساحة صغيرة وفروا في منازلكم برميل الموية ولمبة الجاز وشوال القمح والتمر وأسعوا الدجاج وربوا السخلات فإن فعلتم ذلك فلن تصيبكم (قحتٌ) بقحطٍ .
قبل ما أنسى: ــــ
لو أن كل ربة منزل بالخرطوم ورب أسرة رجع بالوراء لجذوره بالأقاليم ورفع سمّاعة الهاتف لاهله مُستغيثاً لوصله جوال القمح والذرة واللوبيا ولما جاع أحدٌ بالخرطوم. وفي المأثور: (أنثروا القمح على رؤوس الجبال حتى لا يُقال جاع طيرٌ فى بلاد المسلمين). فمن ينثُرُ القمح على منازل الخرطوم؟

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق