السودان: محجوب مدني محجوب يكتب: المسلمون والتحديات

كثيرا ما يتردد أن سبب ضعف المسلمين فرقتهم وعدم وحدتهم واجتماعهم.
أو أن السبب جهلهم بعظمة دينهم وقيمته.
أو تعلق جماعة منهم بجزء من الدين والاهتمام به، والرفع من قدره، والزهد في بقية أجزائه.
أو أن السبب انشغالهم بالدنيا، وملذاتها، وهموم الرزق.
ومع هذه الأسباب اتضح أمر آخر يضعف الأمة بل يسبق تلك الأسباب في الخطورة وعدم الوضوح.
وخطورته ليست في كونه يجهل الدين، ويستبدله باعتقادات، واهتمامات أخرى.
فهو يهتم به، ويجعل وقته، وجهده كله يدعو إليه، وهو على يقين تام بأن همه الدين، وهمه نصرته وعلوه.
ويا للأسف، والحسرة، والخسارة أن كل هذا الجهد، والدفاع عن الدين يساهم في ضعفه لا قوته، ويساهم في هزيمة المسلمين، واستهانة العدو بهم.
هؤلاء الذين يدعون دفاعهم عن الدين لم يكن مصدر دفاعهم الكتاب والسنة، وإنما  مصدرهم انتماؤهم لجماعات تدعي أنها تدافع عن الدين، وقد تكون هذه الجماعات في فترة من فتراتها تضع يدها على الجرح الذي يؤذي ويؤرق المسلمين، وبتبدل الظروف والأزمان – بطبيعة الحال – لم يعد الجرح هو الجرح، ولم يعد الضعف هو الضعف.
ونسبة لارتباط هؤلاء المدافعين عن الدين بجماعاتهم لا بسبب مصلحتهم – فهو أهون – وإنما الأخطر بسبب ارتباط وجدانهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
وهذا الوجدان والتعاطف منهم ناجم بسبب كون هذه الجماعات التي ينتسبون إليها هي التي جعلتهم يرتبطون بهذا الدين، وهي التي جعلت في فترة ليست بالقليلة من عمرهم يكرسون نشاطهم لهذا الدين حينما كان غيرهم منشغل بهموم الدنيا ولهوها.
في حين نجد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه حذرنا من الحياد عن الكتاب والسنة.
فلأول وهلة يعتقد أن هذا الحياد هو خاص فقط بمن لا يهتم بهما، ويجعل العلو لغيرهما.
ليكتشف أنه يمكن أن يكون الحياد ممن يدعون الدفاع عن الدين.
قالها أبوبكر الصديق لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حينما لم يعبر موقف عمر  رضي الله عنه عن موقف الإسلام، فقال له أبو بكر رضي الله عنه (أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر)
فهذا شأن من يوجه بصره شطر الكتاب والسنة حتى ولو كان القائل عمر.
وحينما طلب أبو بكر الصديق رضي الله عنه من بلال رضي الله عنه أن يمكث في المدينة، ولا يذهب إلى الشام.
فرد عليه بلال:
أكنت أعتقتني يا خليفة رسول الله من أجل الإسلام؟
ذكره بعتقه له أول من دخل الإسلام حتى لا يجعل هذا العتق فوق نصرة الإسلام وعزته.
فقال له أبو بكر رضي الله عنه:
بل من أجل الإسلام.
فقال له بلال رضي الله عنه:
ذهابي للشام من أجل الإسلام والشهادة.
وذهب رضي الله عنه إلى الشام، واستشهد هناك.
الشاهد من هذه الآثار وغيرها مما يدل على فهم الصحابة للدين أنه لا شيء يعلو عليه، وهذا الفهم العظيم يرسخه العلماء في الأمة، وغيابه يشير إلى مصداق قول رسولنا الكريم:
( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ).
فالعلماء ينبغي أن يوجهوا الحكام وليس العكس.
فكيف يضعفون هؤلاء المنتسبين لجماعات إسلامية الدين في حين أنهم يظنون أنهم يقوونه؟؟
يضعفونه حينما يتركون العدو الأكبر يتمكن منهم، ولا يبينون خطره، وينشغلون حسب انتمائهم وفهمهم بعدو آخر، رغم أن هذا العدو المنشغلين به سوف يتمكن ويحقق جميع أهدافه إذا تمكن ذلك العدو منهم.
فالقضايا التي تخص الدين يهتم بها ويسعى للتغلب عليها حسب ترتيب أهميتها وحسب نيلها من هذا الدين.
هذه الجماعات المفترض عليها الآن أن تعقد المؤتمرات، وتسخر كل الإمكانيات، والفرص في الموجة التي يتبناها الرئيس الأمريكي الآن (بهودنة) وليس (تطبيع) كما يظن.
نعم (هودنة) جميع الدول العربية.
ويا ليت هذه (الهودنة) من أجل مكسب فلسطيني أو عودة حق من حقوق الفلسطينيين لنقول:
شيئ خير من لا شيء.
وإنما هي ويا للأسف من أجل حفنة دولارات، ومن أجل أن ترضى عنا أمريكا هذه هي شروط (الهودنة) الآن.
وتسير الخطى حثيثة لتحقيقها، وكأنها تدرك أن النوم الذي يخيم على الأمة الآن لا بد أن تستغله قبل أن تصحو.
كل هذا ونحن مشغولون بأحداث لا تمثل شيئا مع هذا الخطر، وبفلان فعل، وبفلان لم يفعل، وتاركون العدو الحقيقي الذي يدرك تماما عظمة وعلو ديننا، فيسعى لضربنا في الصميم.
نتلو صباح مساء وفي كل ركعة ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، وتاركون من يمثل المغضوب عليهم (نيتنياهو) ومن يمثل الضالين (ترامب).
ونتكلم عن خطر آخر يهدد الإسلام لا لشيء إلا لأننا تعودنا عليه وصرنا نحذر منه دائما.
ومن يقوم بهذا العمل الخبيث من قاداتنا يدرك خطره، ويدرك تبعاته، فهو لا يزال يخفيه عنا، ويعمل على تخديرنا حتى إذا وقع وتم نتعامل معه على كونه أمر واقع لا فرار منه، فإن كانت هذه الخيانة والغدر تمشي على العامة والشعوب، فلا ينبغي أن بجهلها العلماء والدعاة، ومن يدعو ويتفرغ لغيرها، فهو جاهل بالدين، وبغاياته، وبمقاصده، وبقرآنه، وبسنته، وبصحابته، وبسلفه الصالح.
من يعلم الدين، ويستقي اهتمامه من الكتاب والسنة يضع المحادثات التي تجري الآن وعلى أشدها بين قادة المسلمين وقادة اليهود والنصارى، ويباع فيها ديننا بأبخس ثمن، يضعها في اولى اهتماماته.
والأخطر أن انصرافنا عن هذه الطامة ليس بسبب جهل، أو هوى فقط، وإنما أيضا بسبب الركون إلى جماعات لم تعد تمثل هم الأمة ونبضها.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق