السودان: هيثم كابو يكتب: نبوءة (أبو الزهور)!

] رفع صوت الاحتجاج عالياً منذ سنوات عديدة عندما كان القمع لا يمنحك فرصة للهمس ناهيك عن الكلام .. ظلت حنجرته مسكونة بالوعي .. قوافيه تناضل بلا خوف وتُعبِّر عن الشارع بلا وجل.. رفضه الصريح لإعادة ترشيح الرئيس المخلوع في دورته السوداء الأخيرة أعلنه واضحاً لتنتشر له قبل ستة أعوام قصيدة بالغة المباشرة وباذخة الجمال وعميقة المضامين تحت لافتة سؤال وطني مشروع :
(خمسة سنين) كمان لي شنو ؟؟؟
نشيلك هم على هم القراية أم دق
ودي لا بتحوق ولا بتلحق
تلبِّس عورة الباطل تياب الحق
كفاك أرحل
دي خمسة ولا بتسوي زلط
(رقصت على الخماسي) سنين
أمانه عليك كم في الخط؟
] يظل أزهري محمد علي أحد أبرز الأصوات الشعرية التي قدمت القصائد النضالية الملهمة للشارع .. كان كبيراً كعادته دوماً بالانحياز لقضايا الناس .. ظل سلاحه صدق العبارة، قاوم بالمفردة التي تُعرِي زيف الأنظمة الديكتاتورية، وصدره مفتوح لوابل الأعيرة القمعية :
فاتحين صدورنا شراع
عمِّر زنادك دوس
كيل لينا صاع في صاع
باردوك المهوس
وابطش طويل الباع
في دولة الناموس.
] بشَّر بالثورة منذ فترة ليست بالقصيرة، وظل يكتب أشعاره بجرأة متناهية وهو داخل السودان دون خوف من المعتقلات والزنازين .. قصائده النضالية تحتفي بها مواقع التواصل الإجتماعي ويحفظها الثوار عن ظهر قلب .. تتسابق الجاليات السودانية لدعوته لإقامة ندوات شعرية فيلهب الأكف التصفيق وتتعبأ الحناجر بالهتاف؛ ليردد الجميع:
يا صاحب المشروع
جيب لي معاك غابات
والباقي من النيل
جيب لي معاك حاجات
بديك رباط الخيل
جيب لي وطنا الكان
مترامي مليون ميل
جيب لي وطنا الضاع
في غفلة آخر الليل.
] تنبأ أزهري بتفاصيل ثورة ديسمبر كاملة في عام ٢٠٠٩م عبر نص بديعي بعنوان (عفواً سيدي الحجاج) قال فيه محذراً بلهجة تحدي صارمة :
شنو الخلاك تنوم تحلم على خرطة وطن مسروق؟..
وطن في السوق .. وطن أشتر ..
مرق من ذمة التاريخ على ذمة كلاب الحر ..
ينوم في (جبة الدرويش) ..
يقوم بي (بدلة العسكر) ..
.. فيا ويلك في يوم الويل ..
ويا ويلك ..
تقوم تحتك قيامة الناس ..
أفواج الضحايا بجوك ..
ستات الكجيك والشاي ..
والناس البعرفو شليل ..
حشود الطلبة والعمال ..
وبنوت الغياب والليل ..
طفولة مشردة ونازحين ..
وكم حجاج .. يجيك من ديل يجيك من وين ..
أولاد شوارع عووك .. المعدمة ومعدومة ..
قطامة وقرضمة وراندوك ..
لماضة وطرقت حلقوما ..
من كل حتة يجوك ..
يوم التسود يوما .. ناسات حكومة الجن ..
وناس جنها الحيكومة ..
ما طال الشوارع في ..
في ولاد بعرفوا القوما .
] لعب (النقابي المخضرم) أزهري محمد علي أدواراً كبيرة خلال الحراك الثوري، وساهمت حروفه الملتهبة في تعبئة الشوارع؛ وحشد الثوار؛ ورفع مستوى الوعي في المواكب، وشارك (أبو الزهور) بعد الثورة في مسيرة التنمية والبناء؛ فهو شاعر كامل الاستنارة ونقابي صاحب تجربة عريضة ومثقف بقامة الأمل والرجاء.
] يكتب أزهري محمد علي الشعر بمداد الروح .. صدقه أكثر ما يميز قوافيه .. كما أن خياله الأدبي الخصب يضفي على نصوصه بعداً ساحراً، فصاحب (وضاحة) يمتاز بسلاسة اللغة؛ والحس الشاعري البديع؛ وجزالة التعابير؛ وروعة التصاوير .. غنى له عدد كبير من الفنانين إلا أن أسمه ارتبط في دنيا الغناء السوداني برفيقه الفنان الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد وكلكم يحفظ تلك الأغنيات الخالدة ويترنم في ساعات الضيق ولحظات النشوة صادحاً:
ﻭﺑﻘﻴﺘﻲ ﻟﻲ ﺳﻜﺔ ﻭﻋﻴﻮﻥ
ﻻ ﻗﺪﺭﺕ ﺍﻃﻮﻟﻚ ﺷﺎﻥ ﺍﺟﻴﻚ
ﻻ ﻗﺪﺭﺕ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻙ ﺍﻛﻮﻥ
ﻭﺍﻧﺎ ﺑﻴﻚ ﻣﺎﻟﻴﻨﻲ ﺍﻟﻜﻼﻡ
ﺣﺮﻛﺖ ﺑﻴﻚ ﻋﺼﺐ ﺍﻟﺴﻜﻮﻥ
ﺟﻠﺒﺖ ﻟﻴﻚ ﺍﻟﻐﻴﻢ ﺭﺣﻂ
ﻃﺮﺯﺕ ﻟﻴﻚ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺯﻓﺎﻑ
ﺣﺮﻗﺖ ﻟﻴﻚ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﺑﺨﻮﺭ
ﻓﺮﺷﺖ ﻟﻴﻚ ﺍﻟﺮﻳﺪ ﻟﺤﺎﻑ
] إن كانت أشعاره العاطفية توشحت بثوب الوطن، وأغنياته البديعة (شيدت في الدواخل صوامع للفرح، وفتحت في الدنيا مسارح للمرح) فإن قصائده الثورية الملهمة ظلت منذ تفجر ثورة ديسمبر المجيدة ترددها الشفاه في الطرقات بينما تسد كلماته فضاء المواكب الهادرة، والكل يهتف خلفه :
سيبك من البنزين
خلينا في الموضوع
دم الشهيد بكم
ولا السؤال ممنوع.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق