السوكي.. قصة (جزيرة معزولة) بـغـــيــاب الـطــــرق

السوكي: محمد أحمد الكباشي

رغم عراقتها وتاريخها الضارب في القدم، مازالت مدينة السوكي بولاية سنار تكابد الصعاب ويعاني اهلها الامرين بسبب رداءة الطرق، وتصل معاناة اهلها بقراهم الممتدة شمالاً وشرقاً وجنوباً ذروتها مع مقدم فصل الخريف ونزول المطر، ورغم احتفاء اهلها بالخريف بكل ما فيه من عطاء ونماء وخير وفير، الا ان ذلك يمثل لديهم هاجساً على مدار فصل الخريف ومكابدة مع بالوحل، ويدفعون فيه ثمن اكتساء الأرض بالخضرة رهقاً ونقصاً في الانفس والاموال وهدراً في الطاقات ومجابهة للاهوال.

حكاية الوحل
السفر الى مدينة السوكي هذه الايام وفي ظل اشتداد موسم الامطار يمثل ضرباً من المجازفة الا من اعتاد على تحمل الصعاب وركوبها، وذات السيناريو لم نكن لنسمع به او لنكتبه عبر قيادات من المنطقة، ولكن الصدفة قد لعبت دوراً في ذلك عندما اشرنا الى احد الزملاء بسنار بأننا بصدد الذهاب الى السوكي في مهمة قصيرة نعود بعدها بساعتين فقط الى سنار، ولكن الزميل سخر من حديثنا وهو يعلم وعورة الطريق وتعاريجه وميلاناته، حيث قال لنا: لن تتمكنوا من العودة في ذات اليوم، واذا قدر الله وهطلت امطار فإنكم ستحتاجون الي يومين على الاقل حتى تجف الارض بعض الشيء، وبالفعل حدث ما كنا نخشى منه، فقد هطلت امطار غزيرة امسية الاحد من الاسبوع الماضي، ولم يكن امامنا خيار غير ان ننتظر (فتح) الطريق عبر السيارات القادمة من مناطق الريف الحنوبي من قرية (رونقا وشاشينا والله معانا واب قرع وود سلمان الى ابو البنات وحلة سعيد وقرية مينا وود الفور وود الريف وحلة يوسف وحتى ود العيس)، وهذا ما لم يحدث الا في الثانية ظهر اليوم الثاني، لتبدأ الحركة من والي داخل المدينة.
طرق وعرة
اكبر الاشكاليات التي تواجه المدينة أنها تنعدم فيها الطرق المسفلتة والتي هي من أهم مشروعات البنى التحتية التي يتركز عليها جل النشاط الاقتصادي، ومن المعلوم للجميع أنها خالية تماماً من الطرق المسفلتة داخلية كانت أو الطرق التي تربطها بالمدن المجاورة لها. كما أنها خالية من الكباري ومعابر التصريف، لذلك تتحول المحلية في الخريف الى جثة هامدة، مما يصعب فيها التنقل والخروج منها، والوسيلة الوحيدة المناسبة للتنقل هي اما راجلاً او سيارات وعربات الكارو التي تعاني اشد المعاناة، مما يضطر اصحابها لتركها والذهاب الى مواقع العمل راجلين .
ومن المفارقات أن المسافة بين مدينة سنار والسوكي تقطعها في نصف ساعة في فترة الصيف على الطريق الترابي، وربع ساعة أو أقل اذا سفلت الطريق. وهذا الوضع أعاق نمو المنطقة كثيراً وأقعد بها عن النهوض، وضيع مصالح أهلها بهدر الوقت في المواصلات حتى في غير الخريف.
مريضة على الأكتاف
لم يكن في حسبان سائق العربة التي كانت تلقنا الى سنجة في رحلة العودة انه سيحتاج الى عامل مساعد على شاكلة التراكتور لمقدرته الفائقة على السير داخل ارض طينية، فالطريق لا يتعدى عرضه اربعة امتار فقط، ويمثل مخرجاً ومدخلاً رئيساً للمدينة، ولا وجود لليابسة على جانبيه على طول مسافة تقدر باكثر من ثلاثة كيلومترات، وما ان بدأ السائق في الدخول في الطريق حتى غاصت اطارات السيارة رباعية الدفع باكملها داخل الطين، وذات المشهد حدث لعربه بوكس قادمة من قرية (شاشينا) كانت تحمل على متنها مريضة، ولم يجد ذووها بداً من اكمال ما تبقى من المسافة، فحملوها على الاكتفاف الى مستشفى السوكي في مشهد تأثر له جميع من كان حضوراً في تلك اللحظات .
التراكتور المنقذ
ولم تتوقف محاولات اصحاب السيارات المتوقفة على جانبي الطريق ومن يسيرون على الاقدام، بل شمر كل من الزملاء صلاح مختار واحمد قسم السيد وشخصي، واخذ كل منا نصيبه في تسوية الطريق ومحاولات ردم الحفر، ولكنها محاولات بائسة كمن يجري خلف السراب في ظل عدم وجود اليابسة، فكان الخيار الأخير لانقاذ السيارة بسحبها بواسطة تراكتور، والمحاولات استمرت زهاء الساعة حتى تم انقاذ السيارة الاولى ومن ثم التي تليها، وهكذا الى غادرنا ذلك الطريق الوعر حتى دخلنا مشارف منطقة (شاشينا) من الناحية الجنوبية، وعندها بدا الطريق افضل ولكنه ليس معبداً مع تعرجات وحفر الى ان وصلنا مشارف منطقة (ود العيس)، ليبدأ عندها الطريق المسفلت.
وفيات بسبب الطريق
ويقول الاعلامي معتصم عباس محمد ان السوكي كانت بقعة جاذبة لكل اهل السودان، ولكنها تحولت من جنة جاذبة للغرباء الى جحيم طارد للابناء، بسبب رداءة الطرق في فصل الخريف وعدم اكتمال ربطها بالطرق القومية، فمازال المواطنون في عموم محلية السوكي يعانون اشد المعاناة خاصة في الخريف، ومنهم من ادركه العيد وهو في منتصف الطريق يكابد الاوحال وسط المخاطر والثعابين والاهوال، وكم من مريض فاضت روحه لذات السبب، وكم من امرأة داهمها المخاض وقد انقطعت بها السبل بعيداً عن المشافي ومناطق الرعاية الصحية، وكثير من القصص التي تتجدد مع حلول كل فصل خريف وتصلح لأن تكون سفراً يجسد معاناة المواطن .
حلم الإنعاش
واذا كانت المسافة بين سنار والسوكي (50) كيلومتراً وبينها وبين سنجة (30) كيلومتراً، والطريق الذي يربط السوكي بسنار قد تم انجازه بنسبة 60%.. فإن الـ (50) كيلومتراً من الطرق المسفلتة تكفي لربط مدينة السوكي وريفها الجنوبي والشمالي والشرقي بالطريق القومي عبر مدينتي سنجة وسنار، علماً بأنه قد تم التخطيط بعد انشاء كوبري سنار لربط ولاية سنار بالقضارف عبر مدينتي السوكي والدندر، في خطة الهدف منها ربط ولايات غرب ووسط وجنوب السودان بالميناء القومي عبر طريق يختصر المسافة ويوفر الجهد والوقت للقادمين، وقد أنعشت هذه الخطة آمال اهل السوكي واصبحت حلماً سيتكفل باعادة امجاد المنطقة وانعاشها اقتصادياً، لكن هذه الخطة واجهتها كثير من العقبات، ومازال العمل متعثراً ولم يتم انجاز سوى 15% من المسار، علماً بأن المرحلة الأولى من الطريق من سنار الى السوكي والدندر تبلغ حوالى (73) كيلومتراً، بينما تبلغ كل المسافة من سنار الى القضارف (200) كيلومتر مقارنةً بالمسافة من سنار الى القضارف عبر ود مدني التي تبلغ (340) كيلومتراً بفارق (150) كيلومتراً وقد توقف العمل بالطريق .
أيدٍ خفية
ويتهم الإعلامي بالسوكي معتصم جهات لم يسمها بأنها تقف وراء عدم تنفيذ الطريق، ويقول معتصم: كانت بداية العمل في الطريق للمرحلة الاولى في عام 2015م، مما فاقم معاناة المواطن بالسوكي والذين مثل لهم الطريق بارقة امل لجذب الاستثمار والاستفادة من الموارد الهائلة التي تتمتع بها محلية السوكي. ويضيف معتصم لـ (الإنتباهة) قائلاً: لقد عانت السوكي من تدخل أيدٍ خفية عملت على تدميرها واخراجها من دائرة العطاء الوطني، حيث تم في السابق تحويل مسار طريق يربط مدينة سنار عبر السوكي بولاية النيل الازرق، كما تم تحويل كوبري السوكي من موقعه جوار مدينة السوكي لموقع آخر يقع جنوباً إمعاناً في عزل السوكي، في وقت تحكمت فيه الامزجة والعلاقات الشخصية لتحويل مسار التنمية والخدمات .
الصحة صفر كبير
ولم تكن حالة الصحة بالسوكي افضل من الطريق ورداءته، فها هو المستشفى يعج بكثير من المشكلات، وهي ظاهرة بدت من خلال ملاحظتنا لتدافع عشرات المرضى عصر السبت الماضي طلباً للعلاج، فكيف يبدو الوضع بداخله؟ وللاجابة عن هذا السؤال وغيره يقول المدير الاداري وليد صالح: ان المستشفي يحتاج الى اسوار، ونحتاج الى ارضيات ثابتة منعاً لنمو الحشائش التي تؤدي بدورها الى توالد الباعوض، كما توجد تصدعات بالداخل، بينما يحتاج المستشفى الى عمليات صيانة كاملة في المياه والكهرباء ودورات المياه والسقوف التي بدأت تتسرب منها المياه. ويضيف وليد ان المستشفى يقدم خدمة طبية لأكثر من (28) قرية في ظل وجود اختصاصي واحد (نساء وتوليد) وأربعة اطباء عموميين، وكلهم متعاونون، ونطالب بتثبيتهم، وهددوا بالاضراب، واذا لم يتم تعيينهم سيغادرون المستشفى وبالتالي سيخر المواطن .
ويستعرض د. عوض علي عبد الرحمن خلال حديثه لـ (الإنتباهة) جملة من الاشكالات داخل المستشفى، مشيراً الى ارتفاع نسبة الاصابة بالملاريا وانخفاض نسبة وفيات الحوامل، وكشف عن شح في أدوية الملاريا.
تردٍ بيئي
وقال المواطن ضرار الدخري إن مستشفى السوكي به مشكلات كثيرة اولها نقص الكوادر الطبية، إذ يوجد أربعة أطباء عموميين بينهم متخصص واحد، كما تعاني بيئة المستشفى من عدم الاهتمام بالنظافة، وكذلك دورات المياه بها خلل اما كماً أو توزيعاً أو عدم متابعة لحالها من حيث النظافة ونحوها، كما أن الباعوض دائم الاقامة في مبانيها لا يكاد يختفي عنها، وكثير من الأنقاض موجودة داخل سور المستشفى, واشار الى ان التجديد والصيانة للمباني لا تأتي بالمواكبة المطلوبة، مع غياب التشجير حيث أن الأشجار الموجودة عتيقة وفاقدة للظل والخضرة، كما تنعدم المراحيض ودورات المياه التي لا بد من توفرها في الأماكن العامة والمساكن كماً وكيفاً، ومتابعة أمرها نظافة وتسليكاً والزام الناس بها، وكثيراً ما تجد الفضلات مطروحة في العراء، وهذا يلوث البيئة ويساعد على انتشار الأمراض والأوبئة، وهنالك أيضاً انفجار شبكات المياه، فبعضها يكون انفجارها بصورة شبه مستديمة كلما تمت صيانتها تعود وتنفجر من جديد، ولذلك تكون بيئة مستنقعية تتوالد فيها الباعوض والحشرات، ويضيف ضرار ان سبب ذلك انعدام الرش الدوري، لأن الباعوض وكثيراً من الحشرات صارت تجد بيئة صالحة لتكاثرها على الدوام مثل دورات المياه والمراحيض وقنوات الري القريبة من أماكن السكن وأحواض الحمامات، ولذلك ــ يقول ضرار ــ فهي تحتاج لرش دوري بصورة مستمرة، لأن الرش الدوري هنا أنجح في المحاربة، إذ يقضي على كثير من الحشرات في وقت واحد، الا أن الرش الفردي يؤثر في مكانه فقط، مع ضرورة وجود الرش الفردي.
كارثة داخل السوق
ولا يبدو ان الاوضاع الصحية داخل المدينة على ما يرام مع انتشار البرك والمياه الراكدة والحشائش داخل الاحياء، وفي الوقت نفسه فإن المحلية تحرر ايصالاً للمحال التجارية برسوم نفايات. وكذلك أصبح شاطئ النهر وأطرافه منطقة نتنة لرمي الأوساخ والمخلفات فيها، مع العلم بأن النهر يعبر المدينة وهو متاخم لسكن المواطنين. ومن المفترض أن تُخصص مناطق للتخلص من النفايات عبر العربات الخاصة بها، وهذا ما تعانيه المدينة، اما الأسواق وشوارع المدينة فتتجمع بها الأوساخ دون الاهتمام بها، وتتخللها الترع بينما تختلط المحال التجارية مع محلات بيع الخضار، وحتى اللحوم يتم عرضها في العراء بعيدا ًعن المواقع المخصصة لها، وعلمنا أن جهات صدقت لمثل هذه المواقع لبيع اللحوم، ولكنها باسعار منخفضة مقارنة بتلك التي تباع داخل الجزارة، وهذا بالطبع أثار حفيظة اولئك لأنهم تضرروا من هذه المنافسة، حتى أن شائعة انتشرت بأن مواقع بيع اللحوم خارج الجزارة عبارة عن ذبيح (كيري) مما استدعى مسؤول الصحة للوقوف على الامر، ولكن الاجابة كانت مقنعة من اصحاب تلك المحلات بأنهم حصلوا على تصديق من المحلية، فما كان من مسؤول الصحة الا ان انسحب.
رغم كل هذا
وفي السوكي أكبر منشار للاخشاب في السودان، وفيها ستة مشروعات مروية، وتضم بنيات تحتية لمشروعات قومية، حيث تنطلق المياه لري مشروعي الرهد والسوكي من محلية السوكي عبر مضخات للري هي الاضخم في الوطن، كما نجد في السوكي محطة توزيع كهربائية بحجم (40) ميقاواط، ومشروعات مطرية في مساحة تفوق المليون فدان، كما بها منذ الحكم الأجنبي بنيات ضخمة تتمثل في أكبر غربال لمحاصيل الصادر في السودان، واكبر محطة للسكك الحديدية في جنوب وشرق النيل الازرق قبل تدميرها، واكبر مستودعات لتخزين البترول، ومرافق لأكبر الشركات الوطنية والعالمية، كما كانت بها في السابق ميناء نهري هو الثاني على مستوى السودان في مرفأ كان يسع (15) سفينة في وقت واحد، وغيرها من المصانع للزيوت واول مصنع لليمونادا.
وحلَّ الإهمال
لقد غرقت السوكي في وحل الاهمال قبل ان تغرق في اوحال الطبيعة، وقد كانت السوكي ومازالت تعاني من وطأة الاهمال والتهميش والعزل، ويجب الانتباه لفك الحصار عن السوكي التي يريد لها البعض ــ رغم مواردها الهائلة ــ أن تظل جزيرة معزولة عن الوطن، وحان الوقت الذي يجب الالتفات فيه لإكمال ربط السوكي بالطرق القومية، وقد ابدى أبناؤها قدراً كبيراً من الوعي والالتزام لم يبده غيرهم من أبناء الوطن، ممن نفد صبرهم وتعطلت لديهم لغة الحوار ولجأوا الى وسائل اخرى لتحقيق مطالبهم. ويجب أن يكافأ أهل السوكي على صبرهم وتضحياتهم بانتباهة مركزية تعيد العمل في الطريق القومي، وتخرج موارد السوكي الهائلة من أضابير البيروقراطية والإهمال.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق