قراءة هادئة في خطاب البشير (2)

> قلنا بالأمس إن خطاب السيد رئيس الجمهورية في ذكرى الاستقلال مساء السبت الماضي، كان تصالحياً متجاوزاً للماضي والراهن و يرنو للمستقبل، وحمل معالم وملامح المرحلة المقبلة التي ستشهد انتقالاً ممنهجاً سلساً متدرجاً، في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن والاستقرار والسلام، وجزم فيه الرئيس بتعهد واضح بتنفيذ مخرجات وتوصيات الحوار الوطني وحدد كيفيات المتابعة والتقويم والقياس ، وأعلن عن بدء الخطوات العملية المرتقبة لتجسيد ما خرج به الحوار الوطني وتطبيقه، خاصة اللجنة التي ستتكون لوضع الدستور الدائم للبلاد والحكومة المرتقبة التي ينتظرها الجميع باعتبارها المرحلة الأهم في تحقيق التوافق الوطني والإعداد للانتخابات المقبلة في 2020 م .
> تطرق الرئيس للعلاقات الخارجية، ووصف ما تم وجرى في هذا الجانب بأنه ثمرة انتهاج السودان لسياسة خارجية متوازنة وضعت المصالح القومية وتطلعات الشعب نصب الأعين، وبالفعل يمكن القول إن ما أشار إليه السيد الرئيس صحيح مائة بالمائة، فأهم ما يميز الفترة الماضية أن السودان نجح في إزالة الأشواك الحادة من ثيابه وقلل من فرص الخلاف والعداء بينه والعالم الخارجي، وانحسرت الى درجة الصفر مشاعر ومخططات الكيد والتآمر ضده من دول وقوى كبرى في العالم، بفضل رشد التعامل والتعاطي مع القضايا الدولية وشق الطريق وسط الألغام والأشواك، ومع ذلك لم يتخلَ السودان كما قال السيد الرئيس عن واجبه الأخلاقي في نصرة الحقوق والعدالة على المستويين الدولي والإقليمي، وخير مثال في ذلك الموقف الثابت والقوي في دعم وسند القضية الفلسطينية ودعم نضال الشعوب المقهورة من أجل كرامتها وحريتها وعيشها الكريم، والسعي الحثيث للمساهمة في معالجة الأزمات الإقليمية خاصة في الجوار الإقليمي( ليبيا – جنوب السودان – إفريقيا الوسطى).
> وهنا لابد من التوقف عند نقطة مهمة وهي دعم السودان الكامل لاستقرار الأوضاع في دولة جنوب السودان وحرصه على إنفاذ الاتفاقيات الموقعة معها، فالسودان لديه رؤية واضحة منذ انفجار الأوضاع في دولة الجنوب واشتعال حرب الإخوة الأعداء وسعى عبر هيئة الإيقاد والتعاون مع جهات دولية عديدة لاحتواء هذه الأزمة وحربها الطاحنة وشارك في لقاء الرئيس الامريكي المنصرف باراك أوباما في اجتماعه العام قبل الماضي 2015م في أديس أبابا مع رؤساء الإيقاد ورئيس الاتحاد الإفريقي حول ما يجري في دولة جنوب السودان، فتأكيد الرئيس وتجديده لدعم الاستقرار في دولة الجنوب والحرص على تنفيذ الاتفاقيات الموقعة معها منذ سبتمبر 2012م، هو دليل على أن حل المشكلات الثنائية مع الجوار والمساهمة الإيجابية في تثبيت السلام والاستقرار في المجال الإقليمي هو المدخل الصحيح للتعامل لتصحيح مسار العلاقات الخارجية والتعاطي بوعي مع معطيات السياسة الدولية وتلاطم أمواجها .
> ومن نافلة القول الإشارة الى أن معالجة القضايا الداخلية بالحوار وروح التصالح التي اكتنز بها خطاب السبت الماضي وتعهدات السيد الرئيس بما اتفق عليه أهل السودان في مؤتمر الحوار الوطني والإسهام الفاعل في حل القضايا الإقليمية والأزمات الطاحنة في الجوار حول السودان، ستكون لها انعكاسات مباشرة وتأثيرات شاخصة على العلاقات مع العالم خاصة الدول الغربية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يغني عن القول بأن السودان لم يعد معزولاً أو محصوراً، تبقت له فقط إلغاء العقوبات الأحادية المفروضة عليه لما يقارب الربع قرن من واشنطن، ليعود مندمجاً في المجتمع الدولي ويسهم مع الجميع في تثبيت داعائم الأمن والسلم الدوليين .
> أما لماذا لم يُشر السيد رئيس الجمهورية الى قضايا الحصار والعقوبات او الحرب ضد الإرهاب ودور السودان في مكافحته، وإسهاماته الكبيرة في محاربة الاتجار بالبشر وتخفيف غلواء الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا ..؟ فلعل مرده الى أن هذه الأمور تجري فيها تدابير ومعالجات وحوارات ربما تظهر نتائجها قريباً وهي من نتاجات اتصالات وجهود دبلوماسية مضنية ظلت تتحرك في صمت من دون تشويش .
> واختار الرئيس اختتام خطابه بالتزامه القاطع ومتابعته الشخصية مع جموع الشعب السوداني في أحزابه وكياناته السياسية وقواه المجتمعية لتنفيذ ما خرج به الحوار الوطني وإنجاز أهدافه السبعة، وحددها بتأسيس الحكم الراشد وتحقيق السلام وبسط الأمن وإنجاز التنمية المفضية لتحسين مستوى المعيشة وتزكية المجتمع والارتقاء بالتعليم والعناية بتربية النشء والشباب ورعاية الإبداع في المجالات كافة.
 لو استطاعت الحكومة المرتقبة إنجاز هذه الأهداف السبعة، لكفاها.. ولكفى السودان واكتفى ..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى