المؤتمر الاقتصادي القومي .. (الجوف الملتهب)!

الخرطوم: رباب علي

ضجت القاعة الكبرى بقاعة الصداقة بانفاس حارة تعكس مدى تأزم الواقع الاقتصادي الذي وصل اليه الحال الآن، فاخرج كل (ممكون) ما بصدره من معاناة واسى للراهن الاقتصادي، وهو ابرز مؤشرات اليوم الثاني (امس) للمؤتمر الاقتصادي القومي الاول لعكس الرؤى والتحديات التي تواجه التنمية واولوياتها، وكان لمدير المنصة الدور الكبير في تحفيز المتحدثين لطرح رؤاهم والالتزام بالشفافية التامة والتركيز على عكس البدائل ان وجدت، والابتعاد عن الفعل المضارع للخروج من الازمة بشكل عاجل وسريع.

تحديات ومصاعب
في انطلاقة حديثها أكدت وكيل وزارة المالية د. آمنة أبكر أن تقييم الأداء للنصف الأول من عام 2020م ارتكز على تبني عدد من السياسات تهدف لتحريك وزيادة الإيرادات عبر مراجعة الإعفاءات الجمركية والضريبية وإلغاء التي لا يسندها قانون، وشددت على رقابة ومتابعة إيرادات عائدات الصادر من السلع والخدمات، ووضع تشريعات وقوانين ولوائح لضبط عائد الصادرات والاستفادة منه، وأمنت آمنة على ضرورة إحلال الواردات من السلع الإستراتيجية، مبينة أهمية استكمال النظام الإلكتروني المالي والمحاسبية، وتفعيل نظام (GRP) بإدخال الأداء الفعلي لكل الوحدات، علاوة على تنفيذ برنامج الخزانة الواحدة والدفع الإلكتروني والاستمرار فى دعم الشرائح الضعيفة في المجتمع من خلال الدعم المباشر.
وأقرت آمنة بوجود تحديات واجهت إنفاذ موازنة عام 2020م وحصرتها في الاستقرار الاقتصادي والايفاء بالتزامات السلام، علاوة على الالتزام بالقوانين واللوائح والإجراءات المالية والمحاسبية والقوانين المصاحبة للموازنة، ولفتت إلى تدني الصادرات غير البترولية خاصة صادر الذهب مقارنة بالإنتاج، فضلاً عن الحصول على التمويل الميسر للمشروعات الاستراتيجية في القطاعات الإنتاجية ومكافحة التهريب لسلع الصادر والاستراتيجية المدعومة، بالإضافة لزيادة سعر الصرف العام على قطاع الصحة والحماية الاجتماعية وتحقيق النمو الاقتصادي المستهدف وتحقيق الإيرادات العامة، وواصلت آمنة سردها للتحديات التي تشمل الاستمرار فى دعم السلع الإستراتيجية وتعدد أسعار سعر العملة الوطنية مقابل العملات الأخرى، ورهنت الخطوة باتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي. واوصت بتفعيل دور السياسة المالية والنقدية لتثبيت الاقتصاد الكلي وتحقيق الاستدامة، وتطبيق الضرائب التصاعدية لتحقيق العدالة الضريبية وزيادة الإيرادات العامة، مشيرة لاستحداث وتطوير آليات لمكافحة التهرب الضريبي والجمركي وتطبيق سياسة التقشف وتفعيل العون الانساني وامتصاص وتخفيف الآثار السالبة لسياسات وبرامج الاصلاح الاقتصادي والمخاطر المالية والاقتصادية .
غلاء فاحش
ونفى ممثل الحرية والتغيير شوقي عزمي (نفياً تاماً) وجود خلاف بين بين الحرية والتغيير والحكومة الانتقالية، وقال ان البعض يعتقد وجود (صراع)، ولكن حكومة الشعب السوداني رشحتها قوى الحرية والتغيير، (ومن حقنا ان نختلف في بعض الأمور) حتى نسير بالحكومة الى (بر الأمان) لأن المتربصين كثر)، مؤكداً ان (اية جهة تدعي ان هناك خلافاً بين الحكومة والحرية والتغيير) هى (قوة مضادة للثورة)، وتابع قائلاً: (نحتاج لنتصارع مع المالية ووزيرها) من اجل المواطن وحتى تكون الحكومة قوية، وارجع سبب الاختلاف الى ان كثيراً من الخطوات لم تطبق واقعياً، داعياً المؤتمر (للعمل بقوة) على إعطاء مخرجات ملزمة تطبق واقعياً.
وعلق قائلاً ان ثورة ديسمبر بدأت لاسباب اقتصادية، حيث نشبت الاحتجاجات في الدمازين الى ان قال الشعب (تسقط بس)، مؤكداً ان الأسباب الاقتصادية تسقط الحكومات، كذلك في امر الإيرادات نجد ان السودان ليس فقيراً (ونمتلك موارد وخيرات)، وذكر ان العالم الخارجي لا ينظر لينا (حباً فينا) وانما لموارد وخيرات البلاد، (يريد يسيطر علينا من اجل الموارد). واكد شوقي ان كل الموارد في باطن الأرض ليست ملكاً لأي تنظيم مدني او عسكري بل للشعب السوداني، وقال: (لدينا خطط ليؤول الذهب للشعب السوداني وتصب حصائله في البنك المركزي لصالح الشعب)، موضحاً ان ادنى ضرائب يتم تحصلها تأتي من قطاع الاتصالات.
ولفت الى ان موازنة ٢٠٢٠م شملت مطالب لرفع الدعم (وشعرنا بأن ذلك يتعارض مع شعارات قيام الثورة) ومع الوثيقة الدستورية، ولكن تم التوصل لاتفاق لعدم رفع الدعم، وتمت اجازته. واردف قائلاً: (لا يحق لأي فرد تعديل الموازنة بعد إجازتها، وضرورة محاسبة اي شخص ارتكب مخالفة، وتم رفع سعر الصرف من (١٨ الـ ٥٥) جنيهاً وتعديل اسعار المحروقات، وجاءت المحصلة (الغلاء الفاحش) الذي نعاني منه الآن)، وافاد بأن اي تعديل في سعر الصرف الرسمي يحرك  الدولار في السوق الموازي بذات النسبة، وتوقع في حالة استمرار الحكومة في سياساتها الحالية أن ترفع الدعم كل ثلاثة او خمسة اشهر، مشيراً الى ان المصروفات تعد احدى (الكوارث) في موازنة الدولة، كما أن امر تعظيم الايرادات الى أرقام فلكية غير حقيقة (لم تحصل ولن تحصل).
فجوة وعدم ثقة
وكشف عضو قوى الحرية والتغيير صديق الصادق المهدي عن وجود فجوة في التعامل والثقة بين قحت والحكومة وأخرى داخل الأخيرة لا بد من إزالتها وإجراء إصلاحات جذرية فيها وإيجاد آلية للتوافق، لافتاً إلى أن التغيير المطلوب من الثورة حدث متأخراً، وأدى لعجز الموازنة وتوالي الأزمات الاقتصادية، مما يستلزم متابعة الدولة بالضبط الإداري والمالي. وطالب بتغيير العملة، وقال إن هناك جهات غير رسمية تقوم بطباعة العملة وأردف قائلاً: (نعرف من هم وماذا يريدون للسودان ولا بد من حسمهم), مشدداً على الإصلاح المؤسسي ومراقبة ومتابعة كل الإجراءات والتركيز على الإنتاج وإصلاح الصادر وجذب الاستثمارات الأجنبية من الصناديق .وذكر وجود نقاط خلافية مع الحكومة، منها التعامل مع صندوق النقد الدولي وكيفية الاستفادة من الاستحقاق السنوي المقدر بمليار دولار لرفع الاقتصاد السوداني واعفاء الديون والقروض التنموية الميسرة، واضاف قائلاً: (نحن بحاجة لحوالى ملياري دولار وتعادل (35) طناً من الذهب لتأهيل البنية التحتية واستحقاقات السلام، ويجب التركيز على محاربة الفقر في الريف كاولوية تقتضيها عدالة الثورة ودعمه بمدخلات الإنتاج للتنمية.
إصلاح القوانين
واقر النائب العام مولانا تاج السر الحبر بصعوبة الحصول على المعلومات من المؤسسات الحكومية بشأن عمليات الفساد، وإن هنالك صعوبة في إيجاد البينات في كثير من الملفات، واضاف قائلاً: (خاطبنا قيادات الدولة للحصول على البينات ووصلنا الى درجة ان نحاول الحصول عليها بأنفسنا .(وطالب الحبر بالإسراع في اصلاح عشرة من القوانين ذات الصلة بالفساد من بينها قانون التعاقدات الحكومية والقانون الجنائي، واهمية انشاء مفوضية الفساد ومفوضية الأراضي، كاشفاً عن حاجة العقود الحكومية لمراجعة دقيقة، لافتاً الى ان النظام البائد مارس خصخصة المؤسسات الناجحة لصالح متنفذين به، ووصف الحبر الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية بـ (السرطان) الذي ينخر في جسم المؤسسات والدولة. وطرح الحبر مقترحاً بسن قانون خاص ببنك السودان لمراجعة التصرف في موارد النقد الأجنبي للسيطرة على السحوبات الكبيرة التي تصل مبالغها الى مليارات، ولا بد من مراقبتها عبر البنك المركزي.
خازوق الأجور
ووصف الأمين العام للغرفة القومية للمستوردين الصادق جلال الدين قرار زيادة الأجور بـ (الخازوق) الذي وقعت فيه حكومة الثورة.
وحمل جلال لدى تقديمه ورقة رؤية القطاع الخاص امس زيادة الأجور مسؤولية التضخم وارتفاع الاسعار وتدهور قيمة الجنيه السوداني .وقال ان قضية زيادة الأجور أصعب من قضية رفع الدعم، لأن الاستمرار فيها مشكلة والتراجع عنها اكبر مشكلة، مشدداً على اهمية مراجعة قانون الخدمة المدنية ومراجعة الترهل الوظيفي في المؤسسات. واضاف قائلاً: الاتجاه لرفع المرتبات اقل ما يوصف به انه اتجاه أعمى واخرق ولا يصب في مصلحة المواطن. وقال ان الإنفاق على الأجور ارتفع الى (226) مليار جنيه هي قيمة الأجور من أبريل وحتى سبتمبر، وهي اكبر من إيرادات الدولة التي تقدر بـ (153) مليار جنيه، داعياً إلى رفع الكفاءة الضريبية، ووصف أداء الضرائب بالمخيب جداً. وشكا في ذات الاثناء من عدم وجود قانون يدعم ولاية المالية على المال العام ويمنع التجنيب، مطالباً بتوظيف موارد صندوق الضمان الاجتماعي وصندوق الزكاة في إيرادات الدولة، لافتاً الى وجود (184) مؤسسة حكومية منها (82) مؤسسة غير ايرادية و (102) مؤسسة ايرادية منها (70) مؤسسة فاعلة.
مشكلة سياسات وقوانين
فيما كشف مدير ديوان الضرائب الحاج هارون عن وجود (43) قانوناً خاصاً تمنح الاعفاءات الضرائبية، وان مشكلة الضرائب ليست في التحصيل وانما في السياسات والقوانين الموجودة، وهناك جهود لإلغاء هذه الإعفاءات تم رفعها لمتخذي القرار، ونبه إلى ضرائب الاتصالات التي تخالف النظم الضريبية المعمول بها، وكشف عن توقيع السودان على اتفاقية منع الازدواج الضريبي مع دولتي الإمارات والكويت تمنحهما دفع 50٪ من قيمة الضرائب، واوضح ان هذه الاتفاقية تخل بالمنافسة وتتضرر منها الشركات الوطنية التي تدفع الضرائب كاملة، وكشف عن مخاطبة وزارة الخارجية لمناقشة هذه الاتفاقية مع البلدين، الا ان الخارجية ردت بأن الوقت غير مناسب سياسياً. وشكا من وجود فاقد ضريبي ناتج عن الاسعار التشجيعية لبعض السلع، وقال ان هذا النوع من الضرائب لا يخفض الاسعار ولا يخدم المواطن ويضيع موارد على الدولة. واشار الى ان ضرائب شركات البترول تأخذها الحكومة بترولاً ولا تحاسب الضرائب. ونوه بدفع الديوان قانوناً لمعاقبة المتهربين من الضرائب ورفع العقوبة من عام الى عشرة أعوام، الا ان المقترح رُفض بحجة عدم وجود عقوبة السجن للمتهرب من الضريبة في الإسلام وتم تعديلها الى ثلاث سنوات.
انحراف التقديرات
واكد ممثل لجان المقاومة د. وائل فهمي بدوي عدم وجود تفسير دقيق حول الى اي مدى يكون الاقتصاد محرراً، واكد دعمهم للتوجه الوطني نحو الاعتماد على الذات، مشيراً الى انحراف كبير في تقديرات معدلات التصخم التي اعدها موظفو وزارة المالية، وبين التي أعدها مستشارو وزير المالية، وقال ان الأهداف التي يحددها المستشارون غير واقعية، لافتاً الى ان العجز في الموازنة يتم تمويله عقب استنفاد كافة مصادر الاستادنة الحقيقية بطباعة النقود الامر الذي يشعل التضخم، مما يؤثر سلباً في الأداء الاقتصادي، مشدداً على ضرورة ان توضع الموازنة من قبل خبراء اقتصاديين متخصصين، مقراً بتأثير السياسات المالية في الوضع الاقتصادي وان يتم الإعداد لها منذ شهر يونيو، لافتاً الى ان الموازنة العامة ليس لها أي تأثير في معالجة الاختلالات المتفاقمة يومياً، خاصة التدهور في سعر الصرف وضعف القوة الشرائية للجنيه السوداني، وطالب بوقف السياسة المالية حالياً وان تبدأ صفحة جديدة. واعتبر من يطالبون رئيس مجلس الوزراء برفع الدعم انهم يريدون منه ان يكون ديكتاتورياً، وطالب بطرد اي احد ينادي برفع الدعم من قاعة المؤتمر.
وطالب بأن تتدخل الحكومة بكل ثقة في إدارة المشروعات الإنتاجية اسوة بأمريكا، واستعجل الحكومة في تأسيس المجلس التشريعي بنهاية العام، واضاف قائلاً: (نرفض اية تعطيلات لأسباب اخرى غير مقبولة)، ونادى بأن تكون توصيات المؤتمر وفقاً للوثيقة الدستورية، ووقف التدهور والقضاء على الأزمة الاقتصادية، داعياً لتحويل دعم الأسر الفقيرة لبنك متخصص، وتحول مواردها لإنتاج بدلا من استهلاك.
هيمنة المركز
وانتقد ممثل الولاة آدم ابكر هيمنة المركز على الولايات، وقال: (لا نريد فرض وصاية عليها، وإن لكل ولاية خصوصيتها ومميزاتها) وعاب على المؤتمر عدم منح الولايات فرصة في إعداد أوراق تعكس رؤيتها، واردف قائلاً: (سكان الريف لم يستفيدوا من الدعم الحكومي)، مشيراً لضرورة مراجعة الدولة وانشاء قانون للاستثمار لتمكين الولايات من توظيف مواردها وقال ان 80% من الإنتاج الزراعي عامة و90% من إنتاج الذرة يأتي من الولايات، وطالب الحكومة بإعادة تشغيل المشروعات الزراعية المتوقفة وفتح النقاط الحدودية لتنشيط التجارة البينية، ورهن الخطوة بزيادة الإيرادات وتوظيف التنوع البيئي لدعم الاقتصاد السياحي، لافتاً إلى المناطق الحيوية في الحدود التي يمكن استغلالها بصورة أمثل، منادياً بضرورة تفعيل محطة خدمات كهرباء الفولة لإيصال الكهرباء إلى المحليات، مشدداً على الاهتمام بصناعة الطرق وربط الولايات وإحداث التكامل الاقتصادي لنقل الإنتاج لمناطق الاستهلاك، ولفت إلى ضرورة قيام مصانع للصناعات التحويلية لرفع الإنتاج المحلي، وانتقد الاستقطاعات غير المبررة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق