«دا كلام موية وسخان»!!

لم يغضب البيت الأبيض وساكنه، من أن دولة الجنوب تدعم متمردي قطاع الشمال أوحركات دارفور، فذلك أمرٌ لا خلاف حوله بين واشنطون وحليفتها الجنوبية، وأمريكا نفسها هي التي تفعل ذلك وتقف وراءه وتدفع الحركة الشعبية في هذا الاتجاه، أليست هي التي صنعت الحركة الشعبية ودعمتها وصمَّمت من أجلها اتفاقية نيفاشا، وصولاً لنتائج تريدها كما هي عليه الآن وهي التي أوجدت تمرد دارفور من العدم وسخّرت كل ثقلها العالمي من أجل وضع عنق السودان فوق نصب المذبح وتحت نصل المقصلة…
ألم تكن هي التي أعادت عبد العزيز الحلو من مهجره عندها في بلاد العم سام، وأرجعت عرمان الذي حجّ إليها، ونسّقت كل التوترات الجارية في بلادنا من دعم للحركات المسلحة والتضييق على السودان وشد أطرافه وإضعافه بقدر ما تستطيع ومحاصرة السودان خارجياً وتأليب المجتمع الدولي ضده ووقف المنح والقروض الدولية والإبقاء على سيف العقوبات مسلطًا فوق رقبته…
لكن غضب البيت الأبيض وسيده، أن سلفا كير لم يحترم عرّابه وتذاكى عليه وأنكر ما هو معلوم، مثل السيد الذي يسأل تابعه «هل ترى شمس الظهيرة هذه؟» فينكر التابع وبسرعة: «لا يا سيدي لا أراها ولا توجد شمس على الإطلاق!» فيغضب السيد لجرأة تابعه على الكذب وإنكاره لحقيقة تسطع وتلسع ألسنة لهبها الحارقة..
يعلم أوباما أكثر من سلفا كير، عن الدعم الذي يصل من دولة الجنوب أو يأتي عبرها، ليكون في أيدي متمردي قطاع الشمال وقوات الجيش الشعبي… لكن الذي استفزّ السيد على المسود، أن هذا الأخير لم يبجل سيده بما يكفي، فبدلاً من أن يقدم تقريره له ويعلن له أن المهمة تمضي على الوجه المطلوب، فاجأه بعدم وجود هذا الدعم وأن أياديه بيضاء لم تتلوث بعد بالدعم الذي يحتاج إليه قطاع الشمال!!
الموقف المحرج الذي حدث لأوباما وسط مستشاريه وأعضاء في إدارته خلال لقائه بأوباما في الأمم المتحدة في نهاية سبتمبر العام الفائت، أنه كان يتوقع رداً علي سؤاله يتفق ويتسق مع ما هو كائن ومعلوم، ولم يكن سؤال الرئيس الأمريكي لسلفا كير، تجريماً لدولة الجنوب وتعنيفاً لها وتوبيخاً مهينًا له، ثم تكرر الموقف من خلال مكالمة هاتفية وأوباما أمامه تلال من التقارير والمعلومات لكنه لم يقل الحقيقة، وكل ما حدث في الحادثتين كان مجرد أسئلة، وآخرها كان دافعه ترتيب أمر الخروج من المأزق الذي سبّبته أحداث ما قبل  حادثة هجليج وما تلاها من تطورات..
وحتى لا تنزلق أرجلنا في هذه القضية أكثر مما يجب، ونغرق في وحل هذه الملامة المستغرَبة من البيت الأبيض لسلفا كير، ونتصورها كأنها موقف له ما بعده، علينا الإقرار بأن العلاقة بين واشنطون وربيبتها جوبا لا انفصام فيها، لا يتغير طقسها بما هو مخبوء تحت لسان سلفا كير، فهي تعلم طبيعة رئيس هذه الدولة وتعرف كل ما يعتريه من حالات تجعله يطلق أقواله كيفما اتفق.. ولدينا تجارب طويلة معه، ويذكر الناس أحاديث سلفا كير عندما كان نائباً أول لرئيس الجمهورية، يتحدث هنا في الخرطوم بلسان، وعندما يكون في جوبا أو أي مكان آخر خارج البلاد له لسان آخر.. وكلما تحدث أزمة جراء ما يقول، كان يتصل بالخرطوم وقيادة الدولة ويعتذر ويقول «.. دا كان كلام موية وسخان…»!!!
غضب واشنطون لا يتعدّى ما تسرّب لوسائل الإعلام وهو حديث محسوب بعناية كما حسبت ظلاله السياسية، ومظلته التي تعمل بأسلوب التعمية لتغطية ما يدب على الأرض من مؤامرات جديدة ضد بلادنا وأمنها واستقراراها.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى