السودان: هيثم كابو يكتب: تسلُّط حميدتي!

] متى ما صافحت أذنيك بعض الأحاديث المتناقضة ما بين الأمس واليوم، عرفت قيمة النسيان، وتمنيت لو أنك منزوع الذاكرة، فقد كانت غادة السمان على حق عندما قالت: (الذاكرة والألم توأمان، لا تستطيع قتل الألم دون سحق الذاكرة)!.
] قطع قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) بأن الأربعين مليون سوداني لم يفوضوا أحداً ليتحدث باسمهم، أو يقرر بشأنهم، أو ينوب عنهم، وقال في مخاطبة شعبية جابت الأسافير أن الجميع متسلطين لا مفوضين، ثم طفق يحدثنا عن غياب الشباب الذين أحدثوا التغيير عن المشهد السياسي، وزاد بدعوته للناس أن يتحدثوا ويقولوا آراءهم، مستنكراً صمت الشعب طبقاً لحديثه.
] يبدو أن ذاكرة حميدتي ضعيفة جداً، أو أنه يتناسى عن عمدٍ أحداثاً لم يمر عليها زمن طويل، فالرجل (غير المفوض) جاء في أغسطس من العام الماضي لينوب عن المجلس العسكري الانتقالي في توقيع وثيقة دستورية تتعلق بمستقبل حكم السودان (الذي لا يملك شهادة بحثه أحد) لمدة ثلاث سنوات، فما الذي دفعه لذلك إن كان من يمثلهم غير مفوضين، وكذا الحال مع من وقَّع معهم..؟ وهل يا ترى مسح صور ابتساماته من الذاكرة وهو يلوح بالوثيقة داخل قاعة الصداقة في يوم حمل اسم (فرح السودان)، وقالوا عنه إنه (يوم تاريخي لا مثيل له)؟ .. ولماذا لا يريد مستشارو الرجل تذكيره بأن ذاك الاتفاق بموجبه تشكلت مؤسسات الحكم الانتقالي التي يحمل فيها الآن صفة (عضو مجلس سيادي)، أما كونه (نائب رئيس المجلس) فهذا توصيف يطلقه عليه أنصاره، والساعون للتقرب منه؛ ولكننا لم نقرأه حتى في الوثيقة التي لم يعد يذكرها؟!.
] إن نسي حميدتي الوثيقة؛ ولونها؛ ومضمونها؛ وشكلها؛ فإنعاشاً للذاكرة نقول إنها وضعت يومها في غلاف سميك باللون الأخضر، وحملها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ملوحاً بها وسط تصفيق الحاضرين الذين تقدمهم، ممثلون عن الاتحاد الأفريقي والأوروبي ورؤساء بلدان شقيقة، ومسؤولون كبار بدول صديقة؟
] طالما أن قناعة حميدتي أنه (غير مفوض)، ولا يحق له التواجد بمؤسسات الحكم الانتقالي، والأمر (مجرد تسلُّط) ليس إلا، فالواجب الأخلاقي يحتم عليه أن يبدأ بنفسه؛ ويتقدم باستقالته من المجلس السيادي، لأن (ما بُني على باطل فهو باطل).
] (راعي الضأن في الخلا) يعلم أن الحراك الثوري ضد النظام البائد، قاده الشباب، وكان الشارع متقدماً فيه على الأحزاب السياسية والقوى المنظمة، ولكن ذلك لا يقلل من دور الأحزاب التاريخي في النضال ضد استبداد وفساد الإنقاذ منذ أن جثمت على صدر السلطة مجهضة الديمقراطية الثالثة، لذا فقد كان لقوى الحرية والتغيير التي تشكلت عقب بداية الثورة دوراً ريادياً في جمع الصفوف، بينما مثّل تجمع المهنيين رأس الرمح في تنظيم المواكب، والدعوة إليها، وانخراط الناس فيها، حتى سقط النظام في الحادي عشر من أبريل ٢٠١٩م بفضل عزيمة الثوار؛ وإرادة الرجال.
] اعتصم الشباب (الذين يسأل عنهم حميدتي الآن ويريد سماع آرائهم) أمام قيادة قوات الشعب المسلحة مطالبين بإكمال ثورتهم، وشروق شمس الحكم المدني، ولخصت (صابِّنها) الفكرة تماماً؛ وعكست حجم الإرادة بوضوح وجلاء؛ واختزلت كثيراً من الكلام والشرح والتفصيل؛ وحملت رغبات شعب؛ ومطالب أمة؛ وطموحات جيل.
] وكثير من الشباب (الذين يسأل عنهم حميدتي الآن)، فقدناهم يوم فض الاعتصام، وكانت مجزرة الثالث من يونيو ٢٠١٩م أبشع ما شهدته الثورة المجيدة من أحداث على الإطلاق، ومضت محاولات تغييب الوعي عبر المنتفعين من المدنيين الذين نظموا لحميدتي ورفاقه اللقاءات بالريف الشمالي، فسمعنا خلفاً للوعود، ونكوصاً عن العهود، وجاء بعض قيادات ما يسمى بالإدارة الأهلية للمشي فوق دماء الشهداء، لتصم أذاننا الأحاديث المسمومة عن التفويض المزعوم، وبدأت أحلام تكوين حكومة الرسومات المتحركة تتسيد مسرح العرائس، ورغم الوعيد؛ وقطع الإنترنت؛ والترهيب والتهديد؛ جاء الثلاثين من يونيو ليضع حداً لسرقة آمال وطموحات الشعب، وقالت الشوارع كلمتها، فقطع حميدتي خطاباً جماهيرياً معلن عنه مسبقاً، بينما سارع البرهان في الاتصال بقوى الحرية والتغيير، ونشطت حركة الوسطاء من إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، وعاد التفاوض مع (قحت) بأمر الشارع الذي فوضها للمرة الثانية، واختلافنا مع سياسات وتناطح وتنافر القوى المكونة للحرية والتغيير لا يعني بأية حالٍ التشكيك في أدوارها القيادية؛ وتفويضها؛ ومواقفها النضالية.
] قبل أن يتحدث حميدتي عن (شيطنة) الشارع لقوات الدعم السريع، عليه توجيه النقد لمنسوبيه، وإعلان نتائج محاكمات المتفلتين منهم، وإيراد تأكيدات لا يشوبها الشك لتفاصيل محاسبتهم وردعهم، فالاعتذار وحده لن يضمد الجراح النفسية لمحمد حافظ محمد نور الطالب بكلية الطب جامعة الرازي  الذي تعرض أمس الأول لعملية اعتداء بشعة دون ذنب من قبل منسوبي الدعم السريع، والأثر الذي تركه فيديو الاستبداد وسوء استخدام السلطة على الناس لن يزول قريباً، فمثل هذه التعديات المتكررة لن تعالجها القوافل الصحية والدعومات الاجتماعية، نعم سيجد الدعم السريع عشرات الانتهازيين من تجار المواقف الذين يطرحون لهم برامج، ويطلبون رعاية لمشاريع، ويكونون منظمات، ويتحدثون عن أعمال إنسانية، ولكنهم لن يحققوا الهدف لأن معظم من يريدون إجراء عمليات لتجميل تشوهات التفلتات وتغيير الانطباع العام هم أنفسهم علة كبيرة، والاستعانة بهم تزيد الفجوة، وتدفع الشرفاء والأحرار للابتعاد عن تلك المبادرات، لذا يحدث هذا النفور الذي نشاهده الآن، وسوء الاختيار يضاعف الانطباعات القديمة، ويجعل الدعم السريع كمن أراد أن يسد ثقباً فإذا به يفتح شلالاً.
] لم يفق الناس من صدمة فيديو الطالب محمد حافظ ، إذ بأحد منسوبي الدعم السريع من الذين جاءوا بهم لحراسة مبنى التلفزيون القومي يقدم أسوأ صورة للتسلط، والتطاول، والاستبداد، والوحشية، والهمجية، والبربرية بصفعه للمذيعة الشابة حنان عثمان مرتين على خدها أمام زملائه، بينما لم يتمكن من لطمها (كف) للمرة الثالثة لتأتي الضربة على ظهرها، لا لشيء سوى أنها تريد الدخول لمكان عملها لتقديم برنامج على الهواء مباشرة، وزملائه أذنوا لها بعد إبراز بطاقتها، ولكن (مسؤول زمانه) لا يأبه بالزمن وقيمته، ويريدها أن تنتظره يفرغ من مكالمته الهاتفية، ثم يقرر (هو شخصياً) هل تدخل لمكان عملها أم لا، وربما وجّه لها بعض الأسئلة المستفزة وهو جالس على كرسيه واضعاً رجلاً على رجل؛ إن لم يقم (سيادته) بإجراء معاينة لها ليقرر هل تصلح للعمل بالإعلام؛ أم يجب أن يمنعها الدخول، و(تاخد كفين وترجع بيتهم من سُكات وبدون كلام)..!
] قبل أن يحدثنا حميدتي عن التسلط، عليه مراجعة الأحداث والحوادث، وقبل أن يسأل عن الشباب عليه إدراك حقيقة مهمة مفادها أن (الشيطنة) جاءت بها مثل هذه المواقف ، والوعي الذي اكتسبه الشباب الثائر يمكن أن يدفعهم للاختلاف مع سياسات حكومة د. عبد الله حمدوك، ولكنهم لا يختلفون حول حقهم في (حكم مدني)، وهذا الوعي المتقدم للشباب هو البعبع المخيف لكل ديكتاتور قادم، والقاهر لكل فاسد، والحاسم لكل سيناريو تآمر داخلي أو خارجي، وصمام أمان الثورة، وحامي حمى السودان.
نفس أخير
] صدقت أحلام مستغانمي عندما قالت :(إن أصعب شيء على الإطلاق هو مواجهة الذاكرة بواقع مناقض لها)..!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى