أسـئلة مشروعة

> السياسة لا تعرف القسمة على أكثر من اثنين، وهي تقوم على المصالح والمنافع المشتركة لا أكثر ولا أقل خاصة في مجال السياسة الدولية، ويبدو أن بعض مواقفنا في علاقاتنا الإقليمية والدولية في كثير من الأحيان لا تخضع للقواعد الذهبية في التعاملات بين الدول وإدارة السياسة الخارجية، فنحن نقدم مواقفنا التي هي نتاج كثير من قناعاتنا الفكرية أو تتماهى مع تركيبتنا السودانية المحضة، على مصالحنا الحيوية، ونعجز عن الحصول على منافعنا بسهولة.
> عند النظر لقضايا الواقع الإقليمي الراهن، يجب أن نستفيد من معطيين واضحين، ونستفيد منهما في إدارة علاقتنا الإقليمية، المعطى الأول يتعلق بالمواقف العربية الرسمية من الأوضاع في سوريا ومصر وليبيا واليمن والعلاقة مع إيران، حيث انقسم الوطن العربي تقريباً على نفسه وظهرت المحاور المعروفة، وكانت دول الخليج هي القاسم المشترك الأعظم في كل التطورات الجارية في المنطقة العربية.. والمعطى الثاني كيف تتبدل المواقف بسرعة في المنطقة وفق منهج المصلحة والمنفعة السياسية والاقتصادية.
> ونتيجة لمواقف محددة تم تصنيف السودان بأنه يوالي محوراً من المحاور بشأن مصر وليبيا، وكان له موقف متقارب وليس متباعداً من مواقف خليجية بشأن سوريا، ونتيجة لتقديرات رأتها القيادة السياسية في السودان تم خلال الفترة الأخيرة اتخاذ قرارات مهمة وانتهاج سياسية محددة لإصلاح العلاقة مع دول الخليج خاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، وكانت الرهانات كثيرة، لكن ظهر وكأننا قدمنا ما عندنا دون أن نقبض ثمناً، وربما يكون ذلك كما يقول وزير الخارجية علي كرتي أن السودان لا يرتجي ثمناً لمواقفه وذلك يرجع لطبيعتنا السودانية المركوزة في أعماقنا وهي عدم بيع المواقف والمساومة عليها.
> ورغم تناقض ذلك مع منطق السياسة وقواعد لعبتها، إلا أنه اتضح جلياً وبما لا يدع مجالاً للشك، أن الآخرين لا يفهمون الطريقة التي نتعامل بها معهم ولا يقدرونها حق قدرها، وباتت مسألة المبادئ والثوابت من حفريات التاريخ السياسي وقد تجاوزها العالم.
> ولنضرب مثلاً… وصلت الأوضاع بين دول الخليج إلى الحافة، وتم سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من دولة قطر، على خلفية موقف الأخيرة من الأوضاع في مصر وليبيا ومن حركة حماس، وليس بين دول الخليج أية خلافات ثنائية حول قضايا تخصها، كل خلافاتها بعيدة عنها وتقع في دائرة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، لكننا رأينا في الفترة الأخيرة قبل أيام قلائل كيف تمت تسوية البيت الخليجي وإنهاء الخلافات بعد القمة الأخيرة في الدوحة، واستطاع الخليجيون طي صفحات الاختلاف بينهم على الأقل ظاهرياً، وصدرت تصريحات عقب البيان الختامي وكأن الخلاف السابق حول مصر وحماس وليبيا قد تم إنهاؤه وتوافقت دول الخليج على موقف موحد وعادت الأمور إلى نصابها بينهم.
> فالسؤال المهم أن مواقفنا نحن وقد كنا متهمين بأننا جزء من محور قطري تركي التي نفيناها أكثر من مرة واتخذنا فيها خطوات أكثر مما حدث في القمة الخليجية، وزار الرئيس البشير مصر وتدخلنا بعد تفاهمات مع الجانب المصري في ليبيا، وتغيرت مواقفنا هناك، إلا أن الثمن مقابل ذلك كان ضئيلاً مثل الثمن الذي دفعناه دون مقابل في مسألة المراكز الثقافية الإيرانية.. فما النتيجة؟!
> الشيء الآخر، الموقف من سوريا، فقد كان السودان ضمن الدول العربية التي سارعت في اتخاذ قرار الجامعة العربية بشأن الوضع في سوريا وتجميد عضويتها في الجامعة وفي العمل العربي المشترك، ودفع الثمن غالياً نظير هذا الموقف باعتبار أن النظام السوري القائم كانت له مواقف مع السودان في فترات سابقة، والآن بقدرة قادر بدأت المواقف العربية وخاصة الخليجية تتبدل بشأن سوريا، ونفضت أياديها من دعم المعارضة وأصبحت كل الدول العربية وراء الموقف الدولي المهمل للمعارضة السورية والداعم سراً لبقاء النظام السوري في السلطة ومواجهة خطر الإرهاب الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».
> من الصواب.. ضرورة إعادة رسم مقاصد وأهداف السياسة الخارجية بشكل دقيق وهذه مسؤولية رئاسة الجمهورية، والتقيد الصارم بما تقتضيه طبيعة إدارتها وحصرها في الجهة المسؤولة عنها وهي وزارة الخارجية، وتعزيز دورها في الاستماع إلى ما تقدمه من إفادات وتقارير ونصائح، فما أحوجنا اليوم للضوابط والقواعد التقليدية للعمل الدبلوماسي التي اتضح أنها وبالمعلومات المتوفرة لدى البعثات السياسية بالخارج تكون في أغلب الأحوال هي الأقرب للصواب.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى