بعد توقيع السلام.. هل تنجح الحركات المسلحة في امتحان السياسة؟

الخرطوم: أحمد طه صديق
بعد مفاوضات قاربت العام يسدل الستار اليوم على مفاوضات السلام بين الحكومة ومكونات الجبهه الثورية، لتنتقل مكونات الجبهة العسكرية للعمل السياسي بعد معارك طويلة وشرسة مع النظام البائد في ميادين القتال الدامي ، بالرغم من أن أطروحات ومنفستو هذه الحركات لا ينفصل عن العمل السياسي ، بيد أن كثيراً من المراقبين يرون أن احتراف العمل السياسي والمشاركة في منظومة الحكم تحتاج إلى خبرات مختلفة وروح جديدة تنتقل من مربع الحسم والمواجهات الحادة إلى دنيا التكتيك والمناورات والتخطيط ، فهل تمتلك المكونات الموقعة على السلام أدوات السياسة وهل باتت مستعدة للنزول في ميدانها المليء بالمطبات والألغام .
تفاؤل ومراهنة
عبر حوار في التلفزيون القومي أمس أبدى جبريل إبراهيم استعدادهم للدخول في معتركات العمل السياسي بعد التوقيع على اتفاق السلام مباشرة وقال نحن بدأنا بالفعل العمل السياسي واشار إلى أن دخولهم إلى الحكومة من شأنه أن يضخ دماءً جديدة في مفاصل الدولة وتمنحها الحيوية المطلوبة ، وأكد أنه بعد توقيع السلام ستتحسن العلاقات الدولية للبلاد، فيما أكد الهادي إدريس رئيس الجبهة الثورية أنهم سيدخلون الحكومة بأفكار وبرامج جديدة، وقال سندخل الانتخابات ككتلة جديدة وسندخل تمرينها الأول بعد التوقيع مباشرة .
وتطالب الجبهة الثورية في خطابها السياسي بضرورة هيكلة الحرية والتغيير ودخول العناصر السياسية التي ناهضت النظام السابق ولكنها لم يشملها ذلك الكيان العريض ، وتأمل الحركات الموقعة على السلام أن تكون لها كلمتها في المجلس التشريعي القادم والتشكيل الحكومي الجديد
باعتبارها تمثل مناطقها الجغرافية فضلاً على دورها في مقاتلة حكومة الإنقاذ البائدة طوال سنوات خلت.
ويرى المراقبون أن الجبهة الثورية وانضمام حركتي عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو إلى ركب السلام والتواءم السياسي مع عدد من الكيانات السياسية غير الراديكالية من شأنه أن يشكل لها رقماً مهماً في الخارطة السياسية سيما في الفترة الانتقالية من حيث إحداث نوع من التوازن السياسي في الحاضنة السياسية والهيكل السلطوي والتشريعي الذي ترى العديد من القوى السياسية أنه يميل لصالح التيارات اليسارية التي كان لها صوت أعلى وكلمة في الحراك الشعبي ضد النظام السابق بيد أن إسقاطات تجربة الحكومة الانتقالية التي شابتها العديد من الإخفاقات بسبب الصعوبات الاقتصادية وغياب الدعم المالي الدولي وتجذر قوى النظام البائد في مفاصل الدولة أدى لهبوط شعبية الحاضنة السياسية للحكومة وتحميلها وزر التجربة بأكملها في حين ترى الحاضنة أن الحكومة تجاوزت برامجها الاقتصادية والسياسية، كل ذلك ساعد الجبهة الثورية مدعومة ببعض الكيانات الأخرى علناً أو أخرى مستترة من العمل بصوت عال ضد كيان (قحت ) وطرح نفسها ليس كبديل ولكن كعنصر مهم في إحداث التغيير المنشود في هذه المرحلة .
تحديات وصعوبات
من الواضح أن الجبهة الثورية بعد مرحلة ما بعد السلام ستواجه بتحديات ومصاعب عديدة بعد انخراطها في هيكلة السلطة ، باعتبار أن المعارضة أدواتها هي الخطاب السياسي في حين أن ممارسة الحكم محفوفة بالعقبات وستضع الجبهة في امتحان صعب أمام قواعدها بل وأمام الرأي العام كله ، فمن المتوقع أن تتولى كوادرها حكم عدد من الولايات فإذا قدر لها عدم التوفيق فعندئذ قد يتعرض كيانها السياسي إلى تصدعات وانشقاقات من بعض المعارضين لسياستها الأمر الذي ربما سيحدث بعض الاستقطابات السياسية لدى جماهيرها الداعمة لها .
ومن المتوقع أن تكون إسقاطات تجربة الجبهة الثورية على صعيد المشاركة السياسية في المرحلة الانتقالية متبانية من كيان إلى آخر بحسب تجربة كوادرها وخبراتهم السابقة وقدراتهم الفطرية، فمثلاً مني أركو مناوي كزعيم في حركة تحرير السودان خاض تجربة المشاركة في الحكم إبان النظام السابق بعد ان وقّع عام 2006 اتفاقية أبوجا حيث أصبح كبير مساعدي الرئيس المخلوع عمر البشير ، قد يكون اكتسب بعض الخبرات في الممارسة السلطوية والمناورات السياسية لكن مع ذلك قد لا تكون كافية بالنظر إلى تلك التجربة وصفها كثير من المراقبين بأنها كانت شكلية حيث إن النظام لم يكن جاداً في منح المشاركة السياسية أو الممارسة التنفيذية في هياكل السلطة إزاء المنضمين من خارج التنظيم الإسلامي .
أما د. جيريل إبراهيم الأمين العام للجبهة الثورية ورئيس حركة العدل والمساواة فهو لم يشارك في السلطة بيد أن خلفيته في العمل السياسي الإسلامي حتى إن الكثيرين كانوا يتهمون الحركة بأنها الذراع السياسية لحزب المؤتمر الشعبي الذي كان يتزعمه الشيخ حسن الترابي الأمر الذي قد يعطي د. جبريل شيئاً من التجربة السياسية واستلاف المفاهيم التكتيكية والبراغماتية التي اتسمت بها الحركة الإسلامية ، ومع ذلك فإن التجربة القادمة ستكون مختلفة وقد تصاحبها العديد من التقاطعات ، غير أنه قطعاً سينال دعماً سياسياً مؤثراً من حزب المؤتمر الشعبي قد يعينه نوعاً ما في تلك التجربة الشائكة .
وبالرغم من أن مالك عقار رئيس الحركة الشعبية شمال قد عين والياً على منطقة النيل الأزرق في أبريل 2010 عقب اتفاقية نيفاشا لكن لم يستمر في منصبه بعد تمرده على النظام البشير واندلاع الحرب مع الحكومة في العام 2011 ومن ثم عاد إلى العمل العسكري الميداني، لكنه قبل ذلك لم يحترف العمل السياسي فقد كان يعمل بالتدريس قبل أن يعمل موظفاً ثم انضم للحركة الشعبية وتحالف مع الجبهة الثورية التي تكونت في منطقة كاودا.
تتمثل خبراته السياسية خلافاً لفترة ولايته للنيل الأزرق في قيادته للتفاوض مع حكومة الإنقاذ في عدد من الجولات .
ما بعد الانتخابات
قد تكون لتجربة الجبهة الثورية في الفترة الانتقالية من خلال إفرازاتها تأثير في الحراك الانتخابي القادم وهو ما ستحاول تلافيه من خلال الدخول في بعض التحالفات السياسية مع بعض الكيانات المعروفة ذات الشعبية سيما التقليدية ذات البعد الطائفي مدعومة ببعض كيانات الإدارة الأهلية فهل تحقق ما تصبو إليه وتحقق ما فشلت في تحقيقه بالقدر المطلوب في عراكها العسكري مع نظام عتيد يهتم بالآلية العسكرية والأمنية وإن كانت على حساب قوت رعيته.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى