السودان: أحمد يوسف التاي يكتب: بهذه الطريقة لن نَعبُر ولن ننتصر

(1)
في إحدى محطات الوقود، كانت صفوف المواطنين تتطاول منذ الفجر وحتى الظهيرة في انتظاروصول غاز الطبخ.. بعد وصول «لبن الطير» ، ودون اعتبار لمعاناة الجوعى المصطفين منذ الساعات الأولى من الصباح ، كانت «اسطوانات خاصة» تدخل من الباب السري وقد كنتُ شاهداً على ذلك ، فتارة يبررون بأنها تابعة للقوات النظامية ، وتارة أخرى تابعة لأصحاب المحطة، وأخرى لـ (العاملين عليها)…وعندما بلغ الضيق والضجر بالناس رفعوا أصواتهم معترضين على الفوضى وخرق النظام و»الدغمسة»، فما كان من عمال التعبئة إلا أن أقفلوا (البلف) وأوقفوا العمل وبدأت رحلة «التحانيس» ، يفعلون ذلك لسبب واحد هو أنه لا أحد يحاسبهم ولن تجد من يحاسبهم…ولأن الدولة ليست مع المواطن)..
(2)
حدثني صاحب شركة بأنهم حصلوا على تصديق ببرميلين جازولين لتشغيل وابور من الجاز التجاري بواقع 4 ألف جنيه للبرميل لكنهم يدفعون (6) ألف جنيه لقنوات متعددة آخرها عامل المحطة الذي يقوم بالتعبئة وهذا الآخير (حقو) (700) جنيه لتعبئة البرميل الواحد (إذا عبأ 300 برميل في اليوم سيحصل على 210000 جنيه)..وإذا لم يدفع المواطن سيجد «المعاكسات» ويُقفل «البلف» وسيفقد حقه المصدق وسيضطر لشراء البرميل من السوق الأسود بمبلغ 22 ألف جنيه (أها أخير يدفع ألفين زيادة ولا الـ 22؟) .. يحدث ذلك لأنه لا أحد يحاسبهم ولن تجد من يحاسبهم…ولأن الدولة ليست مع المواطن)..
(3)
إذا ذهبت اليوم تريد غاز طبخ، أو بنزين أو جازولين في السوق الأسود ستحصل على أية كمية تريدها شريطة أن تقبل بالسعر الذي يحدده البائع وتوافق على الطريقة التي يتم بها التسليم، لكن ستكون أشبه بطالب المستحيل إذا غدوت «تتسكع» في منافذ البيع الرسمية…السماسرة، والمهربون ، وأرباب النشاط الطفيلي ، والموظفون المتلاعبين المتواطئين ، اليوم هم الحكومة وهم السلطة المتنفذة وهم أصحاب الهيبة والدولة وهم الملوك المتوجين الذين يتحكمون في أقوات الناس…هؤلاء الذين سبقت الإشارة إليهم هم الدولة الفعلية في ظل غياب الدولة وضعفها وضياع دورها الرقابي وهيبتها..شبكة من المجرمين يتحدون بأفعالهم وممارساتهم سياسات الدولة وقراراتها ويطحنون المواطن طحناً والدولة تتفرج في ضعف مهين..
(4)
الدولة تعلن أنها تُشجع الزراعة ، فتعمل تلك الشبكة على تدمير الزراعة وذبح المنتج المحلي ودفعه إلى السوق السوداء وزيادة كُلفة الإنتاج… والدولة تعلن أنها تُشجع الإستثمار فيقعدون له كل مرصد ويضعون أمامه العراقيل والرشاوي والبيرقراطية القاتلة فينفر المستثمر كما تنفر الحمر المستنفرة إلى بلاد فيها دولة وهيبة وحسم قانوني يصل حد الإعدام يحمي الإستثمار والإنتاج المحلي..الدولة تعلن أنها تعمل على راحة المواطن فيأتون بالرحى لطحن المواطن والحكومة تتفرج لأنها ضعيفة فاقدة الهيبة والسيطرة وهم الأقوياء…ألم أقل لكم أن هؤلاء هم أعداء الوطن والمواطن والمناهضون لسياسة الدولة وقراراتها..؟.
(5)
بِتُ على يقين لايخالطه شك أن كل أسباب الأزمات الحالية منبعها ضعف حكومة السيد حمدوك وذهاب هيبتها على نحو جعل الفوضى تتمدد في كل اتجاه..فأصحاب النشاط الطفيلي يدمرون الإنتاج والمُنتِج المحلي ويخلقون إقتصاداً موازياً لاقتصاد الدولة ، ويمنعون عجلة القطاعات الإنتاجية من الدوران ويجعلون 70% من الكتلة النقدية خارج سيطرة الدولة..فإذا لم تستعد الدولة قبضتها وسطوتها وهيبتها فلاتكلمي عن حلول ولامستقبل ولاحاضر ولا أمة ولا أي مشروع نهضوي ولاسنعبر ولايحزنون، أحسموا هذه الفوضى أولاً وابسطوا هيبة الدولة….اللهم هذا قسمي فيما أملك.
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى