السودان: أحمد يوسف التاي يكتب: القبلية البغيضة

عندما يشدك الحنين بقوة إلى الماضي، تأكد أن الواقع المُتجهم بكل إسقاطاته كان وراء تفكيرك وإغراقك في “جُب” الماضي، وهذه حالة نفسية تسمى “النوستالجيا”… الآن جل الناس يحنون إلى الماضي ويسمونه الزمن الجميل هروباً من صفوف الوقود، والماء، وقصص الفساد والتهريب وحكايات حاويات المُخدرات وحمم الأزمات التي بدت كقِطَعٍ من الليل المُدْلهِم..
تتراءى الأزمات وقد تناسلت في هذا العهد وتمدد البؤس وانتشر كأورامٍ سرطانية تفتقت خلاياها، ولكن لا أرى بؤساً أشد إيلاماً وخطراً أكثر من علو كعب القبلية… القبيلة اليوم تحولت من وحدة إدارية واجتماعية، إلى دولة داخل دولة، تتصل بالسفراء الأجانب وتعرض المقاتلين، وتمتلك السلاح، ويُسمى سلاح القبيلة، وأُسست الروابط والنوادي باسم القبيلة ويرعاها مسؤولون للأسف من القبيلة وبإيعاز منهم لأن التوازنات القبلية هي التي جاءت بهم للمناصب، وتلك بدعة ابتدعتها “الإنقاذ” وجعلتها من أهم معايير الاختيار للمواقع…
أوجدت “الإنقاذ” مساحة واسعة لسماسرة القبائل من خلال بدعة “البيعة”، فدافعت القبائل لمبايعة الإنقاذ وحزبها المؤتمر الوطني، وعلى أساس “ثيرمومتر” التدافع نحو “البيعة” تم تصنيف القبائل من حيث البُعد والقُرب… ولعل هذا ما يُفسر رسالة أحد نُظار القبائل إلى سفير المملكة العربية بالخرطوم والتي يعرض فيها مقاتلين من قبيلته للدفاع عن المملكة كما زعم…
لك أخي القارئ الكريم أن تتخيّل مقدار الفوضى وضعف هيبة الدولة للدرجة التي تجعل زعيماً قبلياً يخاطب سفيراً معتمداً لدى الدولة ويعرض عليه بضاعته في زمن تزاحمت فيه العروض.. والمُصيبة أن رسالة الزعيم القبلي للسفير السعودي جاءت بعد تململ الخرطوم والتلميح بنيتها في سحب الجيش السوداني من اليمن، لتأتي رسالة الناظر بلغة المواساة للرياض: ” ولا يهمك أكان الجيش السوداني انسحب من اليمن فلدينا “10” آلاف مقاتل سيقومون مقامهم”، أو هكذا تُفهم الرسالة.. فهل من تمدُد وعلو كعب للقبلية أكثر من هذا الذي نعايشه ونشهده، وهناك قبائل كان سلاحها يضاهي سلاح الدول، وهذا كله من بدع المؤتمر الوطني..
عندما اطلعتُ على الخبر من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لم أكترث له، ولم أصدقه لعدم وجود منطق يسنده ولعدم واقعيته في الأساس، غير أني تبيّنت صحة المنشور من خلال تناوله في بعض الصحف والمواقع ذات المصداقية العالية مثل “باج نيوز” التي تديرها الزميلة العزيزة لينا يعقوب، و”لينا” لمن لا يعرفها فهي صحفية محترفة ذات مهنية عالية، فضلاً عن الدقة في التناول..
أعود وأقول إن ظاهرة القبلية التي تمددت وانتشرت ودخلت السياسة بشكل انتهازي وأصبحت المعيار الأول لاختيار المسؤولين للمناصب، وتحاول أن تلغي وجود الدولة، هي في الأصل بضاعة حكومية وستظل الإنقاذ وحدها المسؤولة عن هذه الرجعية، وسيظل حزبها المؤتمر الوطني مسؤولاً عن هذا النكوص باستخدامه الانتهازي لورقة القبلية التي نسيناها ولم نكن نعرف قبائل زملائنا في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية وحتى الجامعة… اللهم هذا قسمي فيما أملك…
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى