البحث عن مخرج وطريق!

سماؤنا ملبَّدة، غيومُنا مُكفهرَّة، وسَحَابُنا راعد، لا تكاد تلحظ أفقاً يُفضي لما هو أفضل، ولا ركنًا أرشد تلوذ به، وتلك هي ملامح الحيرة، ونُذُر الفراغ العريض الذي يحتوينا، ولا أمل في إصلاح حقيقي يُعيد الأمور إلى نصابها وجادّة الطريق، رغم تطمينات البرق الخاطف في السَّحَاب الخُلَّب، يلوحُ حيناً ويختفي وراء الظلام الكثيف.
تحدَّث د. محمد مندور المهدي المسؤول عن المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم، عن أنَّه يتمُّ النظر للإصلاح والمناداة به بنوعٍ من التدبُّر والتمعُّن لأنها إرادة بَدَتْ في كثيرٍ من المواقف، مُعتبراً ما حدث في المؤتمر الثامن للحركة الإسلامية نوعًا من التغييرات والإصلاحات الكبيرة وستجري أيضاً على المؤتمر الوطني في مؤتمره العام القادم في أكتوبر المقبل.
لكن لا يبدو في الأفق أن هناك استجابة كبيرة لدواعي الإصلاح، السياسي منه والاجتماعي والاقتصادي، ولا مطلوبُ التغيير نحو الأفضل، في الأداء العام للحكومة، ولا في المجال السياسي الذي يزداد تأزُّماً كلَّ يوم، بسبب غياب الرؤية الجامعة والإرادة الجادَّة في الانتقال من مربع واحد، إلى فضاءٍ فسيح.
ولا يوجد أحد في هذه البلاد لا يريد الاستقرار والطمأنينة والسلام والحياة الهانئة، وليس هناك من يؤيِّد الفوضى وحالة الشدّ والجذب والتناحُر والاحترابات التي تركت البلاد والجلدُ على العظام.
ولا يوجد بين كل الفرقاء في الساحة الوطنية، من لا تُعجبه أصول اللعبة السياسية الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة، وليس هناك من يُريد تعويق مسيرة التنمية والبناء والنهضة الشاملة، لكنَّ كلَّ هذه تظلُّ مجرَّد شعارات برّاقة يكذِّبها الواقع، وتُنكرها العين التي لا تشتكي من رمد وهي بصيرة صحيحة لا ترى أن هناك التزامات قاطعة ولا رغبة مطمئنة في صناعة الواقع الذي نريد لبلادنا لتكون آمنة وسالمة من كل هِزَّة وارتجاج.
الإصلاح الذي يريده كل الناس بمن فيهم عضوية المؤتمر الوطني وقاعدته العريضة، واضح الملامح كالشمس في رابعة النهار، وقد واتت فرص وسوانح كثيرة للتغيير والإصلاح لكنها تفلت من بين الأيدي كما الماء من بين فروج الأصابع.
لقد سئم الناسُ الكثير من السياسات والبرامج التي لم تُؤتِ أُكلها، وليس هناك من عيب في تعديلها أو إلغائها أو استبدالها، وقد سئموا أيضاً كثيرًا من الوجوه التي عافت الرحيل عن مواقعها، وأصرَّت على البقاء كأنها خالدة مخلَّدة في أماكنها لا يُدركها ما يغشى الخلقَ جميعاً من نواميس وقواعد التغيير.
وملَّ الناسُ تكرار الخطاب السياسي المُثقل بالتعميم المُفتقِر لأبسط إشراقات الأفكار، وتمنَّوا لو أن الفكرة والعمل الجاد الدؤوب الفعّال حلاّ مكان التشدُّق الهواء والخواء الذي نعيشُه اليوم بلا نتيجة.
اليوم في كل مكان تُسمع الانتقادات الحادّة وصيحات الملل وآهات الصبر، لكن كل هذه النداءات تتلاشى في وادي الصمت العميق الغائر في جوف الأرض، وإن تعالت فما من مجيب، فلا لمستصرخ من معين، ولا لمستغيث من مغيث!!
أليست هذه الحال التي ننتقدها في مجالسنا الخاصَّة حتى من بعض المسؤولين وأرباب السياسة وأهل الحكم والدولة، تستوجب أن ننظر إليها ونعمل من أجل إصلاحها قبل أن تقع الواقعة وتحلّ الطامّة؟؟!!
أليس هناك ألف مبرِّر للجلوس على الأرض والنظر في كيفية رتق الفتق ودرء الجائحة ورد الفتنة على أعقابها ولمّ الصفّ وتوحيد الكلمة ومجابهة التحدِّيات وصفوفُنا متراصَّةٌ نسد الخلة ونُبعد شبح النزيف الذي توسَّع جرحُه وطال بُرؤه؟؟!!
نحن في أمس الحاجة لمراجعة النفس، وإقالة العثرة، وسدّ الذرائع، وجلب المصالح، وفتح الباب والنوافذ لتجديد الهواء، فلنترك مائة زهرة تتفتح بيننا وفي حديقة تجربتنا، فهناك مخارج من حالة التكلُّس وانسداد الأفق السياسي العام، فالطريق الثالث موجود!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى