مستشفى شندي التعليمي .. (جنازة بحر)!!

شندي : محمد أحمد الكباشي

نهاية الأسبوع الماضي توجهت صوب مستشفى شندي التعليمي لزيارة احد الاقارب حيث يتلقى علاجه بعنبر الجراحة ولم يكن ضمن أهداف الزيارة عمل تحقيق صحفي لولا المحفزات وكثرة الشكاوى التي تلقيتها حول تردي الخدمات بالمستشفى فضلا عن حالة الانهيار دونما اي عناء للبحث عن صورة تفضح ما اشرت اليه لتبدأ المشاهد المؤلمة مع دخول المستشفى اذ  لافتة كئيبة لا تحمل من كلماتها غير عنوان بائس تبدأ تفاصيله من بداية الدخول الى داخل العنابر الى كل الاقسام والمرافق فكانت الحصيلة عبر هذا التحقيق .

حارس بوابة
مع دخول البوابة التي لا تخلو من فوضى التحصيل وفق تقديرات مزاجية لبعض المتحصلين تجاه الزائرين (يعفي هؤلاء من قيمة تذكرة الدخول بينما يتم التحصيل من آخرين ) ومن هنا تبدأ حكاية مستشفى تحول الى جنازة بحر وبذلك يصبح امام خيارين لا ثالث لهما إما بعث الروح فيه من جديد وانهاء كافة التشوهات التي نعكسها داخل هذا التحقيق وإما إحضار جرافات كي تقتلعه من جذوره كونه بهذه الكيفية يزيد من أمراض من يقصده مستشفيا.
غابة من الأشجار
أصبح مستشفى شندي التعليمي عبارة عن مباني قديمة عجزت الجهات المختصة في اعادة تأهليه على نحو يجعله يقدم الخدمات المطلوبة لمرتاديه من كافة مناطق محليتي شندي والمتمة فلم يعد هذا المرفق ليأخذ وصفه الطبيعي عندما صار اشبه بالخرابة المنسية فقد تسلق نبات اللويس والتف حول اشجار المسكيت والعشر والسدر وتطاول حتى وصل الى اسقف العنابر بينما لم تترك هذه الاشجار وغيرها من النباتات مساحة على الناحية الجنوبية من عنابر الجراحة ولا يستبعد وجود ثعابين وفئران وغيرها من الحشرات فقد صارت موقعا لقضاء الحاجة في العراء ولك ان تتخيل عزيزي القارئ وسط هذه الأجواء يقوم عامل نظافة بغسل مستلزمات العنابر من فرش وملاءات وملابس وغيرها واستغلال هذه الاشجار ليعلق عليها ما قام بغسله حتى يجف وبالتالي فان الموقع المشار اليه لا يصلح لان يكون مرعى أغنام لما به لما به من فضلات آدمية وغيرها من القاذورات.
ناقوس خطر
لنترك هذا الموقع ونتجه غربا قبالة عنبر القاينة حيث يتكدس عشرات الرجال والنساء جلوسا على الارض التي ضاقت عليهم بما رحبت من مقاعد حديدية تحت مظلة لا تتعدى العشر مقاعد في مقابل هذا الكم الهائل من في انتظار ما تسفر عنه عملية ولادة وحين تأتي اليهم القابلة لتبشرهم بالمولود عندها ينفض السامر قبل ان يعود ذات المشهد ولكن بوجوه اخرى لعملية جديدة وبالتأكيد لن نستطيع الدخول الى داخل عنابر الولادة  لخصوصيتها وبالكاد تبدو اسوأ بكثير من بقية الأقسام من حيث النظافة والاهتمام. ويقول الناشط ود العقيد كثير من الفواجع حصلت في الآونة الأخيرة تمثلت في وفاة عشر بسبب عمليات  طبيعية كانت أم قيصرية ، وأضاف ود العقيد هنا لابد من دق ناقوس الخطر وتسليط الضوء على مكمن العلة ولا يستبعد ود العقيد وجود قصور في تفاصيل عمليات الولادة داخل غرف العمليات من ناحية التعقيم أو مشكلات في التخدير ، أو في الكوادر المهنية الطبية العاملة وهنا تكون الكارثة أكبر.
هروب من العنبر
(يا أستاذ لو داير تدخل عنبر الباطنية من الأفضل ان تستخدم كمامة ) هكذا نصحني الشاب النذير الشيخ من منطقة التراجمة عندما وجدته يجلس تحت ظل شجرة وعلي يده فراشة وواضح انه يتلقى علاجا لكنه اشار الى انعدام كثير من الادوية مما اضطره لإرسال روشته الى ذويه ببورتسودان لارسال دواء (هايروكروتوزون) وعندما سألته عن الوضع داخل العنبر قال الوضع اسوأ مما تتصور وليس بإمكانك ان تتحمل الرائحة الكريهة المنبعثة من داخل العنبر وحتى الحمام الوحيد صار مكبا للنفايات اما التهوية فلا يوجد اي تكييف مع وجود مروحة واحدة تعمل ببطء لمساحة عنبر به اكثر من 15 سريرا ولهذا – كما يقول النذير- لم اتمكن من التواجد داخل العنبر وفضلت البقاء في الهواء الطلق في انتظار مرور الطبيب.
لم أعمل بنصيحة النذير لارتداء كمامة فدلفت الى عنبر الباطنية مباشرة فوجدت اسوأ مما اشار الي به النذير عندها أشفقت علي حال المرضى ممن لا يستطيعون الخروج الى الاشجار كما فعل المريض النذير.
سخانة وظلام
أثناء تجوال الصحيفة داخل المستشفى في بعض أقسام وعنابر المستشفى التعليمي للوقوف على الوضع ورصد جوانب القصور، التقت الصحيفة من خلال الجولة ببعض العاملين والممرضين الذين عبّروا عن استيائهم من مستوى النظافة ونقص الاختصاصيين في العديد من الأقسام، لا سيما قسم الحوادث والأنف والأذن والحنجرة والباطنية، أوضح المريض هاشم قسم السيد لـ( الإنتباهة) ان عنبر الجراحة رجال  لا توجد به اضاءة كافية ولا تكييف أما عن الإهمال والأخطاء الطبية الاخرى فحدث ولا حرج وما أكثر هذه الاخطاء ودائماً ما يتحمل المريض كل النفقات وهو الذي يدفع الثمن نسبة لعدم وجود رقابة او محاسبة لهؤلاء الأطباء غير المؤهلين.
أكوام نفايات
وأسوأ ما في مستشفى شندي التعليمي  تراكم جبال من الاوساخ وانبعاث الروائح الكريهة التى تزكم الأنوف من خلال المخلفات والنفايات وسلوكيات البعض سواء من المرافقين او المرضى أنفسهم ، وتردي الخدمات الصحية وقلة العناية وغياب الاهتمام بخدمات الطوارئ والاسعاف، وتقول حنان وحيد الدين لـ(الإنتباهة) إن هناك اشياء سيئة قد يصعب وصفها، مشيرة الى عدم استجابة المسؤولين للشكاوى المتكررة من قبل المرضى والمواطنين ولا حياة لمن تنادي.
استياء وغضب
عدد من المرافقين والمرضى التقتهم (الإنتباهة) أجمعوا على ان المستشفى يعاني من تدهور مريع في بيئته وخدماته ويعاني حالة واضحة من الإهمال من قبل السلطات المختصة على مستوى الولاية والمركز وأبدى سامي محمد احمد بركات استياءه وغضبه من واقع المستشفى خلال مستوى النظافة والتعقيم داخل العنابر، إضافة إلى انتشار الذباب والبعوض ببعض أقسام المستشفى، حيث يرى  أن الوضع الصحي بالمستشفى التعليمى يسير من فشل في الخدمات إلى انعدام تام للحياة الصحية والعملية العلاجية، ذلك لأن الكوادر الطبية والتمريضية تعاني من نقص وعدم وجود كفاءات، والأجهزة محدودة، إضافة إلى أن السعة الاستيعابية غير قادرة على التماشي مع الزيادات المطردة بالتعداد السكاني للولاية على الرغم من التوسعات الجديدة بمباني المستشفى.
ظاهرة مخيفة
ويواصل سامي حديثه  أن الواقع الذي يجدونه يبين مدى الإهمال والتردي فى مستوى الخدمات الصحية بالمستشفيات الحكومية سواء من حيث عدد الأَسرة بالأقسام العلاجية، أو لعدم كفاءة هيئة التمريض، أو لإهمال الأطباء وتقاعسهم، أو لعطل الأجهزة، إلى غير ذلك الكثير من أوجه القصور والإهمال، وأشار إلى أن قصور الخدمة وعجز في عدد الكوادر الطبية المؤهلة، إضافة إلى عدم توفر الأدوية وكل ما يسهم في توفير سبل الراحة للمريض والشخص المرافق داخل الوحدات العلاجية والمستشفيات، وذهب إلى أن جميع أقسام المستشفى تعاني من الإهمال الجسيم وتدني في مستوى الخدمات المقدمة للمرضى، وعلى سبيل المثال: قسم الطوارئ والحوادث، وكشف سامي عن تنامي ظاهرة السرقة التي يتعرض لها المرضى ومرافقيهم خاصة أجهزة الهواتف، واضاف بانه طوال مرافقته لزوجته لفترة قاربت العشرة ايام  تعرض عدد من المرافقين الى سرقات، وحمل سامي الجهات المسؤولة عن حراسة المستشفى وعدم مقدرتها لتوفير الحماية للمرضى وذويهم مناشدا بزيادة فريق العمل مع مراقبة المشبوهين ممن ينشط توافدهم ساعات متأخرة من الليل.
معينات مهمة
أحد مرافقي المرضى قال إن شقيقه أحضر إلى قسم العناية المكثفة بحادث مروري، ظل لأكثر من أسبوع يعاني في شتى الأمور من الروائح الكريهة المنبعثة، عنابر العناية المكثفة، انقطاع المياه عن العنبر والانتشار الكثيف للذباب نهارا وجيوش البعوض ليلا، الأمر الذي كلفهم مبالغ طائلة في شراء طارد البعوض ومعطرات الجو، هروبا من المهمة
وعند الذهاب إلى عنابر الباطنية قالت إحدى المريضات إن كوادر التمريض لا تأتي إليهم أحيانا إلا إذا طرقوا بابهم، وحتى وضع المحاليل يذهبون إليهم للقيام بتعليقها للمرضى دون متابعتها حال انتهائها مما يضطر المرافق الى نزع الوصلة من المريض وفي هذه خطورة ربما يتعرض لها المرافق نفسه.
عنبر الأطفال
الى الناحية الشرقية تقبع عنابر الأطفال لم تكن بافضل من سابقاتها ان لم تكن الأسوأ من حيث تكدس المرضى في عنبر الأطفال وجدنا المرضى والمرافقين يواجهون العديد من المصاعب والمتاعب داخل المستشفى، بل ان بعض الأمهات لم تجد بدا من إخراج سرير خارج العنبر بعد ان ضاقت ذرعا بالرائحة الكريهة وحالة الازدحام التي يعاني منها العنبر فيما اكد عدد من المرافقين أن الإهمال طال حتى الأقسام الحيوية بالمستشفى وخصوصاً قسم الأطفال، حيث قال المواطن سيف الدين الامين ان عنبر الأطفال يعاني من قلة الأسرَّة داخل الغرف، وأعرب عن تذمره من ارتفاع درجات الحرارة، مع تذبذب التيار الكهربائي المستمر، وهذا الأمر جعل أولياء أمور المرضى الأطفال بالهروب بهم إلى ظلال الأشجار بالمستشفى أو مغادرة المستشفى قبل استكمال العلاج اللازم بسبب تكدس العنابر وحرارة الجو الخانق، وأشار عدد كبير من مرافقي المرضى بقسم الأطفال إلى أن عنبر الأطفال يعاني من قلة الأطباء والممرضين، وأضافوا أن مناوبات الأطباء لا تتوفر على مدار الساعة، وكشفوا عن رداءة دورات المياه وعدم توفر النظافة داخلها، مشيرين إلى تراكم الأوساخ بشكل مستمر.
قبل الختام
كان لا بد من الجلوس الى الأمين العام للمستشفى تاتاي سرور كمال الدين وللأمانة فقد رحب بالرد على التساؤلات  ولم يتوجس من الرد حول تساؤلاتي حول ما شاهدته داخل المستشفى وقلت له بالحرف الواحد هذا لا يصلح لان يكون مكانا لتلقي العلاج بدءا من التردي البيئي، فاجاب بقوله اتفق معك يعاني المستشفى من مشكلة الصرف الصحي والذي لم يحدث به تغيير واضح منذ أمد بعيد وبالتالي هناك انفجارات بالمنهولات، وشكا تاتاي من ضعف العمالة في النظافة ،مشيرا الى ان الطاقة الموجودة الآن اقل من نصف العدد الكلي، وعزا هذا النقص الى ضعف الراتب. وفي سؤالي حول الخدمة التي يقدمها المستشفى في عمليات الولادة قال تاتاي ان المستشفى يتحمل عبئا اكثر من 15 عملية بصورة يومية وهذا كلف ادارة المستشفى كثيرا من المبالغ اضافة الى عمليات الحوادث التي تجري مجانا، وكشف تاتاي عن نقص كبير في الكادر الصحي بالمستشفى مع عدم وجود اختصاصي عظام إلا انه اشار الى تأهيل المشرحة واستعدادها لاستقبال 6 جثث في وقت واحد وأبدى تخوفه من انعدام وشح كثير من الأدوية من بينها المنقذة للحياة ومن بينها المحاليل الوريدية ،واضاف ان هناك جهودا تجرى في عمليات تأهيل وصيانة المستشفى لكل الاقسام خاصة الصرف الصحي مع تغيير كامل للصرف الصحي مع تأهيل 60 حماما وقال لولا جائحة كورونا ورتفاع أسعار المواد لكان الوضع غير، واضاف الآن هناك 4 شركات جاهزة للقيام بهذا العمل وإكماله خلال فترة لا تتجاوز الشهرين، وحول تنامي ظاهرة السرقات بالمستشفى قال الامين العام نحتاج الى زيادة عدد الحراسة خاصة وان السور منخفض بما يساعد اللصوص على القفز.
من المحرر
هكذا وصل الحال بمستشفى شندي التعليمي وقد يتوهم الزائر لهذا المرفق لاول مرة حول ان كان هو مستشفى ام غابة ام ورشة حدادة وكل هذه الأوصاف تنطبق تماما، فالصورة لا تكذب ولا تتجمل ولو كانت الرائحة تنقل عبر الكلمة لما احتمل القارئ إكمال هذا التحقيق ولكن ما بين الذي نقلناه وما بين تطمينات الامين العام للمستشفى يبقى الامل في تغيير الواقع وإلا فعلي وزارة الصحة الاتحادية ان تغلق أبواب المستشفى ، فالمريض لا ينقصه  الأذى بأشكاله الماثلة بالمستشفى.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق