السودان: هيثم كابو يكتب: فلتدم أنت أيها الوطن!

] نعم، كتب مئات القصائد الوطنية التي تضخ الحماسة في الأوردة والشرايين، وتنفخ روح الانتماء الصادق في الأجساد، إلا أن رائعته (انا سوداني) التي صاغ لها الألحان وتغنى بها (ابو الأغنية الوطنية) الراحل المقيم حسن خليفة العطبراوي لا يعيبها شيء سوى احتشادها بأطنان من الروعة والجمال غطت على معظم لوحاته الأدبية التي رسمها بمداد الصدق في حب الوطن بما فيها ديوان (وقفات على مدارج الاستقلال) ..!
] يظل تاريخ الغناء الوطني واحداً منقوصاً لا يكتمل الا بقصيدة (انا سوداني)؛ تلك التحفة الباذخة الجمال، لما فيها من جزالة تعابير وحُسن بيان وسلاسة لغة وروعة تصاوير، كيف لا وشاعرنا النحرير الراحل المقيم محمد عثمان عبد الرحيم ينشد في فخرٍ:
كل أجزائه لنا وطن ..
إذ نباهي به ونفتتن
نتغنى بحسنه أبداً
دونه لا يروقنا حسن
حيث كنا حدت بنا ذكر
ملؤها الشوق كلنا شجن
نتملى جماله لنرى
هل لترفيه عيشه ثمن
خير هذي الدماء نبذلها كالفدائي حين يمتحن
بسخاء بجرأة بقوى
لا يني جهدها ولا تهن
تستهين الخطوب عن جلدٍ تلك تنهال وهي تتزن .
] كثيرة هي الذكريات المرتبطة عندي بأغنية (انا سوداني) وصاحبها، ولكنها تتفجر بغزارة متناهية كلما استمعت لنص الأغنية كاملاً في مقطع فيديو مؤثر جداً بصوت محمد عثمان عبد الرحيم ظل لأعوام يجوب الأسافير، لأجد نفسي مجبراً للوقوف من جديد عند تفاصيل رحلة النظم البديع عبر حس أدبي رفيع يجعلك (تلف عمة الإعزاز) وترفع رأسك مباهياً العالم أجمع كونك تنتمي لشعب مبدع يعتز المجد للاقتران به مما دفع أحد ابنائه ليقف صادحاً بصوت عالي النبرة :
أيها الناس نحن من نفر عمروا الأرض حيث ما قطنوا
يذكر المجد كل ما ذُكروا وهو يعتز حين يقترن
حكموا العدل في الورى زمناً أترى هل يعود ذا الزمن ؟
ردد الدهر حسن سيرتهم
ما بها حطة ولا درن .
] إن كانت (انا سوداني) تصل بمن يستمع لكلماتها بإصغاء تام الى سدرة منتهى الجمال والوطنية والإبداع، فإن ما لا تعرفونه أن لمحمد عثمان عبد الرحيم مئات القصائد الوطنية التي تضاهي (انا سوداني) جمالاً وعمقاً وصدقاً، ولكن مثل هذه الدرر لم تكن تجد حظها من التغني في ظل هجر بعض الحناجر للغناء الوطني وسيطرة عقلية الغناء للأنظمة والحكومات على حساب الغناء للبلد وسط عدد كبير من الفنانين (عافاهم الله) ..!
] رحل محمد عثمان عبد الرحيم الذي مرت أمس ذكرى رحيله السادسة قبل أن يتأمل الناس أفكاره النيرة في ديوان (ومضات فكر)، انسل جسده عن الدنيا في هدوء، وللرجل الكثير الذي يحتاج أن نقف عنده ونعيد إنتاجه وقراءته واستخلاص العبر منه.. ودع الرجل الأمة محمد عثمان عبد الرحيم الدنيا بعد مشوار حافل بالعطاء والأوسمة والتقدير والإجلال والنياشين، ولكأني بالعماد الأصبهاني قد بكاه عندما رثى الناصر صلاح الدين الأيوبي بقوله :
شمل الهدى والملك عم شتاته
والدهر ساء وأقلعت حسناته
مرجوة رهباته وهباته
أين الذي كانت له طاعاتنا مبذولة
ولربه طاعاته
بالله أين (محمد عثمان) الذي
لله خالصة صفت نياته ..؟
] اصطفى الموت في الثاني عشر من أكتوبر عام 2014م شاعراً نحريراً وأديباً أريباً ومبدعاً بقامة وطن وشموخ أمة.. أغمض محمد عثمان عبدالرحيم صاحب (انا سوداني انا) إغماضته الأخيرة بمسقط رأسه بمدينة رفاعة مودعاً الحياة الدنيا وسط نحيب الأهل وبكاء العشيرة وحزن البلد ليتسربل الأدب بالسواد وتتمرد القوافي ويعلن الشعر الحداد .
] أظلمت الدنيا يوم رحيله في وجه كل من يعرف سيرة وقدر ومسيرة محمد عثمان عبدالرحيم الذي ناضل ضد المستعمر منذ أن كان طالباً، وأحد اعضاء لجنة (الزعفران) قبل تخرجه من كلية غردون التذكارية عام 1931 .. ظل الوطن قضيته طيلة المائة عام التي عاشها حتى رحيله بذاكرة متقدة وإنتاج شعري جديد وتدفق إبداعي لم ينضب يوماً .. خيم الحزن على كل من يعرف نبوغ الرجل الذي يكفيه فخراً أن ديوانه الأول (في رياض الأمل) كتب له المقدمة الشاعر ابراهيم ناجي في اعتراف (إقليمي) نبيل بجودة منتج سوداني ليس له مثيل ..!
] توجهت صبيحة يوم رحيله لأداء واجب العزاء لأسرته المكلومة بمدينة رفاعة التي تربينا فيها على قصائد محمد عثمان عبد الرحيم، وحفظنا فيها روائعه ونحن في مراحل التعليم الابتدائية، ورأينا عن كثب نشاطه اللامحدود ومشاركاته في معظم الاحتفالات بالمدينة وتفاعله مع كل الأحداث من حوله، وكتابته للقصيدة بساعد الإخضرار مؤكداً أن (شباب الموهبة) لا يعترف بـ(تقدم الأعمار) ..!
] رأيت يومها الحزن على عيون أهلنا برفاعة فعرفت أن المدينة الحسناء التي ترقد على النيل الأزرق كالهمزة على السطر قد يتمت تماماً، وشخصت أمام عيني أبيات (الزير سالم) التي رثى فيها (كليباً) :
نعى النّعاة (عبد الرحيم) فقلت لهم :
مالت بنا الأرض او زالت رواسيها
الحزم والعزم كانا من صنيعته
ما كل آلائه يا قوم أحصيها
] لم يبكه أهلنا برفاعة وحدهم، ففي قلب كل محب للأدب الرفيع نُصِب سرادق عزاء يوم رحيله .. الدموع انهمرت من المقل مدراراً، لنردد ما قاله خطيب العرب شبيب بن شيبة معزياً امير المؤمنين في فقد عزيز لديه بقوله : (جنة الله خير له منا وثواب الله خيراً لنا منه، وخير ما صبر عليه ما لا سبيل الى رده) ..!
] شكراً نبيلاً لأغنية (انا سوداني) التي ظلت على الدوام تعيدنا لذكرى صاحبها كلما مرت علينا الأحداث والأيام والسنين، ونسأل المولى سبحانه وتعالى لمحمد عثمان عبد الرحيم الرحمة والمغفرة، و(حقاً الأعمال الخالدة لا تموت).
] صدقية قوافي (انا سوداني) جعلتها ترسخ في الأذهان وتسكن الوجدان، وكثير من الأغاني التي صنفها أصحابها وطنية قُبرت يوم ميلادها ودخلت مُجبرة لكهوف النسيان ..!
] من تغنوا للوطن ظلت أعمالهم باقية، ومن قدموا أغنيات للغزل في الحكومات ذابت أغنياتهم بزوال الأنظمة التي سبحوا بحمدها ..!
] معظم الاعمال التي يسميها أصحابها وطنية تنتهي فعاليتها بانتهاء مراسم أدائها لأنها للأسف مصنوعة الاحساس و(منزوعة الصلاحية).
نفس أخير
] نحن بالروح للسودان فدا
فلتدم انت أيها الوطن..!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى