مقتل خليل إبراهيم.. عودة الملف إلى الواجهة ..!!

هبة محمود سعيد

لم يكن ديسمبر من العام 2011 على عهده باردا يتوارى فيه السودانيون خلف ستراتهم ويتدثرون فيه بأغطية البرد الثقيلة كما اعتادوا دوما، لكنهم كانوا على موعد مع حدث أحال برودة الجو إلى ساخنة وقتها.

ففي الخامس  والعشرين من الشهر نفسه أفاق المواطنون على خبر مقتل زعيم حركة العدل والمساواة الدكتور خليل إبراهيم، وهو حدث ما زالت تختزن تفاصيله الذاكرة، فالأمر ليس عاديا وكذا الرجل الذي طالما شكل مصدرا لقلق الحكومة بتمرده، خاصة حينما دخل بقواته إلى ام درمان في عملية الذراع الطويل ٢٠٠٨ أكثر العمليات جرأة، ليضع الأجهزة الأمنية في خانة (اليك)، فما أن أعلنت الحركة مقتل زعيمها رسميا في غارة جوية بمنطقة ود بندة شمال كردفان، حتى انطلقت مظاهرات في الخرطوم طوقت على إثرها الأجهزة الأمنية الطرقات وأطلقت الغاز المسيل للدموع تفريقا للمحتجين، كما عملت على فض المعزين بمنزله بعد حسين جنوب الخرطوم.
الآن وعقب مرور ما يقارب نحو عشر سنوات من اغتياله، خرجت الحركة أمس الأول في أول مؤتمر صحفي لقادتها في أعقاب توقيع اتفاقية السلام، لتكشف عن حقائق مقتل رئيسها وتفتح بذلك الباب على مصراعيه أمام تساؤلات توقيتات فتح ملف اغتيال الدكتور؟ فهل الأمر يتعلق بالمحكمة الجنائية وضرورة إضافة الملف إلى جرائم انتهاكات النظام؟ أم أن الأمر يتعلق بخطوط تعاون دولية وإقليمية للحركة؟ ولماذا برأت الحركة النظام السابق من عملية اغتيال خليل رغم اعتراف الحكومة نفسها؟
أطراف داخلية وخارجية
بمجرد الإعلان عن مؤتمر صحفي لحركة العدل والمساواة، تبادر إلى الأذهان حينها أن الأمر يتعلق بترتيبات السلام الموقع مؤخرا بجوبا، لكن رئيس المجلس التشريعي بالحركة الدكتور الطاهر آدم الفكي أعاد إلى المشهد مرة أخرى فتح قضية مقتل القائد خليل، وقال انهم رصدوا مكالمات بين جهات لم يسمها على صلة بمقتل رئيس الحركة، ورفض في الأثناء الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالتحقيق في الحادثة وقال إنها مستمرة، متهما أطرافا داخلية وخارجية لم يسمها باغتياله وذكر أن العملية كانت دقيقة وتم استخدام تكنولوجيا  لم تكن موجودة لدى الحكومة السودانية حينها.
ما قاله الطاهر هو ما ذكرته الحركة نفسها عبر بيانها  ٢٠١١ الذي أعلنت عبره تعرض معسكر رئيسها بقصف جوي بطائرة مجهولة الهوية صوبت صواريخها بدقة غير مألوفة عن مقاتلات جيش النظام  إلى موقعه مما أدى إلى استشهاده و أحد حراسه في الحال، وطبقا للبيان فإن الحركة  أشارت إلى تواطؤ ومؤامرة من بعض الأطراف في المحيط الإقليمى والدولي مع نظام الإبادة الجماعية، لتظل الأسئلة أعلاه قائمة.
لا تبرئة للنظام
عضو القيادة التنفيذية بحركة العدل والمساواة الدكتور محمد زكريا، أكد في حديثه لـ(الإنتباهة) أن التحقيقات في مقتل الراحل خليل إبراهيم بدأت منذ اليوم الأول لحادثة الاغتيال، إلا ان العمل كان سريا خالصا بالقسم المغلظ ولم يطلع على عمل اللجنة إلا عدد قليل من قادة الحركة، وقال انه لا عودة للملف بعد كل هذه السنوات لأن الملف كان حاضرا في كل المحطات التفاوضية وكذا ملفات جميع الشهداء والأسرى والغائبين.
وانتقد زكريا ما تناولته بعض وسائل التواصل الاجتماعي حول تبرئة الحركة للنظام السابق في عملية اغتيال خليل، ووصف الأمر بالتعثر في الفهم قائلا: لا تبرئة للنظام السابق لأنه المسؤول الأول والمدان والجاني في ما حدث، والحديث الذي تم هو طرح الكيفية التي تم عبرها عملية الاغتيال حيث أنه لم تتوافر للنظام وقتها طائرات وصواريخ حديثه كالتي استخدمت، وهذا يدلل على أن النظام استعان بدول خارجية لإنفاذ العملية، وأضاف: أمر المحاسبات لرموز النظام السابق حول الانتهاكات، أمر لا بد منه وتمت مناقشته عبر طاولات التفاوض، الا ان الحركة لم تأت بروح الانتقام أو التشفي إنما بالحب لأن السلام يحمل العفو.
خطوط تعاون جديدة

من  جانبه فند المحلل السياسي الأستاذ «عبد الله آدم خاطر» ما يقال حول توقيتات فتح الملف تزامنا مع ملف دارفور والمحكمة الجنائية لمحاسبة رموز النظام السابق، مشيرا إلى أن الأمر جله يتعلق بفتح خطوط تعاون سياسية إقليمية ودولية للحركة، قائلا : إرهاصات اتهام دول في مشاركة الحكومة السودانية باغتيال زعيم الحركة يعني وجود إرهاصات صداقات جديدة مع دول أخرى.
ويرى خاطر في حديثه لـ(الإنتباهة) أن مقتل زعيم في مقام الدكتور خليل إبراهيم يفتح أبوابا من الأسئلة سيما في ظل التعقيدات الإقليمية الموجودة وقتها (الليبية _القطرية – المصرية) ، لافتا إلى أن أجواء الصراع أدت إلى مقتله خاصة أنه كان بقدر من الغموض حول قيادته فضلا عن أنه إسلامي في مناخ عربي كما أنه كان يتحدث دائما عن إمكانية انتصاراته الساحقة على الحكومة وهذه جميعها مسائل حفزت لاغتياله.
الطبيب المتمرد
من سوح المشافي إلى معسكرات التمرد، هكذا كان التحول في حياة الراحل الدكتور خليل إبراهيم، الذي يعرف عنه انتماؤه الشديد للحركة الإسلامية التي انشق عنها مغاضبا في العام ١٩٩٣ مختارا الانضمام إلى صفوف الحركة الشعبية بزعامة قرنق، ولم يعد إلى أحضانها أي الحركة الإسلامية إلا عقب المفاصلة الشهيرة بين الرئيس المعزول البشير والراحل دكتور حسن الترابي، وتعثر كل المساعي  لاحتواء الأزمة بين القصر والمنشية منحازا إليه. وبحسب مراقبون فإن الترابي كان أحد أهم الأسباب التي جعلت الراحل «خليل» يحمل السلاح ويعلن تمرده موسسا حركة العدل والمساواة بعد أن  أوعز إليه قضايا التهميش والسلطة التي يشهدها الإقليم، وبدأت الحركة متواضعة لكن سرعان ما توسعت وأصبحت قوة ضاربة سيما عقب التشظي الذي أصاب حركة التحرير وقتها، لتصبح الأقوى والأكبر وذلك للدعم السياسي الذي حظيت به وكذا انتشارها في كل الأقاليم، ولكن حركة العدل والمساواة نفت أمس الأول عبر مؤتمرها صلتها بحزب المؤتمر الشعبي وقالت إنها حركة وسطية تجمع في عضويتها علمانيين ولا دينيين، كما كشفت عن رغبتها في التحول لحزب سياسي قريبا.
التحولات السياسية
عقب مقتل خليل إبراهيم، راهن كثيرون على نهاية حركة العدل والمساواة وغيابها عن المشهد، سيما أن عملية الاغتيال استهدفت رأس الحركة وكان الغرض إنهاءه. وعلى الرغم  من الهزة العنيفة التي تعرضت لها وقتها إلا انها ووفقا للقيادي بها دكتور «محمد زكريا» فقد استطاعت امتصاص الصدمة ووقفت على سيقان من حديد بحد تعبيره، لافتا في حديثه لـ(الإنتباهة) إلى توسع الحركة عسكريا وتمدد ميادينها وتوسع صفوفها التي شهدت انضماما كبيرا إلى قواتها، فضلا عن استطاعتها ترسيخ الخطاب السياسي في المجتمعات وانتشار مفهوم العدالة، قائلا: على الرغم من فقد الدكتور خليل كان كبيرا إلا أننا اتخذنا من هذا الفقد تحدياً.
بطولة زائفة
وبحسب مصدر عسكري تحدث لـ(الإنتباهة)  فضل حجب اسمه، فإن عمليات الرصد والمتابعة وأحدث وسائل  التكنولوجيا موجودة لدى الشركات دعك من الدول، واعتبر المصدر ما ذكرته الحركة عن تورط جهات خارجية وداخلية أمر قديم صرحت به وقت وقوع الحادثة نفسها ولم تستطع التوصل إلى نتائج طوال هذه السنوات، وعد الأمر نوعا من أنواع البطولات الزائفة الغرض منها محاكمات النظام السابق.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق