السودان: محجوب مدني محجوب يكتب: للذين يضيقون ذرعاً بالآخر

كم أشفق على الذين لا يتحملون الآخر أن يجلس بجوارهم سواء بجوار أماكنهم، أو بجوار أفكارهم.
وهذه الشفقة مردها إلى أن هؤلاء لن يشفى غليلهم إلى يوم الدين، فالله خلق في هذه الدنيا من يتصف بالخير، وخلق فيها من يتصف بالشر، ولم يجعل الصفة ملازمة سواء لأهل الخير، أو لأهل الشر، فقد يصبح من يتصف بالخير منتميا للفريق الآخر أو العكس.
كما أن الهاجس الذي يسيطر على هؤلاء يؤثر على نشاطهم، وعلى عملهم في جلب الخير لأنفسهم، ودفع شر هؤلاء الذين يتضايقون منهم.
فإن اقتصر عملهم على إبعاد من يختلف معهم، وتركز كل همهم في إخلاء الساحة منهم حينئذ سيهدرون كل مجهودهم، فلا هم يستطيعون نفي هذا الآخر من الوجود كما هم سوف ينشغلون عن أداء واجبهم نحو الاحتفاء بالخير ونشره بين الناس.
التعامل مع الآخر على أساس تثبيت الخير، وإبعاد الشر هو الذي يفضي إل نتيجة، ويسير قدما في تحقيق النتائج، ويعمل على تقييم الناس على هذا الأساس، فمن كان بالأمس قريبا، فبتركه للخير، فسوف يصبح بعيدا، ومن كان بالأمس بعيدا فبتركه للشر سيصبح قريبا.
الحياة لا تخلو من الصنفين، فلا ينبغي الانشغال بوجود أحدهما، وحذف الآخر ، وإنما ينبغي أن ينصب المجهود ببسط الخير، فسوف تكون النتيجة القرب من الخير وأهله، والبعد عن الشر وأهله.
يتوهم الذين يريدون على هذه الدنيا خيرين فقط يتوهمون مساحة حولهم يظلون يبعدون عنها كل شرير وينسبون لمن هو بداخلها كل خير، ويظلون يعملون على ذلك، ولم يعلموا أن الذي بداخل هذه الساحة لن يظل بخيره، ولا من هو بخارجها سيظل على شره.
هذه المساحة قد تكون اجتماعية وقد تكون سياسية، أو أي تجمع آخر يجمع أشخاصا حوله.
أما الوضع السليم هو ليس أن ترسم مساحة تحدد خارطتها، وحدودها في رأسك، ومن خلالها تقرب وتبعد في الناس.وإنما الوضع السليم هو أن تضع مجموعة قيم وأفكار في رأسك، وبدون أن تخلق حولها أبواب وأقفال بحيث يدخل فيها كل ما اقتنع بها، ويخرج منها كل من تخلى عنها.
هذا العمل لا يجعلك تتضايق من الآخر؛ لأنه ووفقا للقاعدة، فالكل يمكن أن ينضم إليها.
وكذلك لن يلتفت إلى من يتركها.
كما أن وضع سياج متين بينك وبين الآخر ليس فقط ضد الفطرة التي خلق الناس عليها بل هو أكبر معطل ومفسد لكل ما تدعو له من قيم الخير.
فهي مع كونها لا تحافظ على من بداخلها، فهي كذلك لا تجعل من يقتنع بها ينضم إليها ، وبدلا من أن يظل الاهتمام، والتركيز على أوجه الخير، وفوائده، وميزاته ستتحول الأنظار في كل مرة، والجهود إلى الأشكال، والحدود، والمناطق، والمساحات.
فيا من تخلقون مساحة في ذهنكم، وتسعون لفرضها، فلا مساحتكم هي وحدها التي كتب الله لها الحياة في هذه الدنيا، وليس أعضاؤها كلهم بالثابتين فيها، وليس الخارجون منها سيظلون خارجها .
ركزوا على بسط قيم الخير، ولا تركزوا على تحديد مساحة له وتسويرها، فهذه هي الفطرة التي خلق الناس عليها، وهذه هي التي تجعل عملكم في تقدم وفي تواصل.
فالذي يريد أن يغير فطرة الله فيا ناطح الجبل العالي ليوهنه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق