بعد بروز البعد الخارجي في الشرق.. هل تُغلق الحدود مع أسمرا؟

تقرير : القسم السياسي
كان استقلال دولة إريتريا من إثيوبيا حلماً بدا وكأنه مستحيل بالنظر إلى القوة العسكرية لدولة إثيوبيا وعدد سكانها الكبير مقارنة بإريتريا، لكنها قوة الإرادة القوية التي تولدت لدى الإريتريين والمساعدة الكبيرة التي وفرتها الحكومة السودانية آنذاك متمثلة في نقل المؤن والذخيرة والسلاح والمياه العذبة التي كانت تشق ظلام الليل خوفاً من ضربات الطيران الإثيوبي بجانب المركبات الناقلة، حتى قيل على سبيل المبالغة إن الرئيس افورقي قدمت له المخابرات السودانية بدلة جديدة ليدخل بها دولته الوليدة في اعقاب تحررها من القبضة الإثيبوبية، غير أنه رغم هذا الدور السوداني الكبير سرعان ما توترت العلاقات بين البلدين بعد عام واحد من استقلال إريتريا، ووصلت إلى حافة الحرب، وبلغ العداء اشده وتبادل النظام القابضان الاتهامات بالتآمر ضد الآخر عبر سيناريو طويل .

أولى محطات التوتر
اتهمت الخرطوم أسمرا بإيواء المعارضة السودانية هناك، بينما وجهت إريتريا اتهاماً مماثلاً للحكومة السودانية بأنها تقوم باحتضان جماعات إسلامية مناوئة لها بعد عام واحد من استقلال إريتريا في عام 1993م.
وفي عام 2002م اتهم الرئيس المخلوع البشير إريتريا عبر كلمة القاها في البرلمان بأنها قامت باعمال عدائية في شرق السودان، ووصف أعمالها بالخيانة، وقال إنها تعادي السودان في وقت مد لها فيه يد العون والتسامح .
وفي الثالث عشر من أكتوبر من نفس العام اتهم وزير الخارجية مصطفى عثمان أسمرا بأنها قامت بإسناد الهجوم المكثف الذي شنته قوات حركة جون قرنق على مدينة همشكوريب .
وعبر الأمم المتحدة اتهم مندوب السودان الفاتح عروة أسمرا بتشجيع واحتضان وإعداد وتجهيز جماعات تستهدف أمن واستقرار السودان، لكن بعد أشهر قليلة اتهمت إريتريا حكومة الخرطوم واعتقلت خلية كانت تخطط لاغتيال الرئيس أفورقي وضرب أهداف مدنية، واتهمت النظام السوداني بالوقوف وراءها.
تصالح مؤقت
في عام 2005م قام الرئيس الليبي معمر القذافي بمصالحة بين البلدين، الا أنه بعد شهر قدمت حكومة الخرطوم شكوى لمجلس الأمن تتهم فيها أسمرا بتقويض عملية السلام الجارية في السودان.
تحسن آخر
في الثالث عشر من يونيو 2006م عقد  الرئيسان السوداني والإريتري قمة في الخرطوم لإنهاء الاضطرابات في شرق السودان. وتحسنت بعدها العلاقات بيت البلدين عدة سنوات.
حشد القوات السودانية
أعلن نظام الخرطوم آنذاك في يناير 2018م حشداً واستنفاراً للقوات المسلحة والدعم السريع في ولاية كسلا بشرق السودان على خلفية تهديدات من الجانب الإريتري ودولة مصر في الشرق، بينما نفت إريتريا مزاعم الخرطوم ووصفتها بتبريرات مفبركة من المخابرات السودانية والإثيوبية تهدف لنشر قواتهما على الحدود مع بلادها .
بين الحقيقة والفبركة
ويرى مراقبون أنه رغم ان حكومة الإنقاذ عرفت بإيواء الحركات الإسلامية المناوئة لبعض جيرانها ونسج المؤامرات ضدها، لكن سجالها مع حكومة أسمرا حول اتهامات مستمرة بتهديد استقرار شرق السودان لا يمكن أن يكون كله محط افتراء أو كرد فعل لعداء أو مخططات حاكتها حكومة الخرطوم باعتبار أن للحكومة الإريترية القابضة أحلام ويوتوبيا سياسية بفصل أجزاء من شرق السودان بحكم الترابط القبلي التاريخي والامتزاج العرقي بين أحد مكونات الشرق وإريتريا، والخطوة لها أهداف جيوسياسية واستراتيجية وتحقيق مصالح متشابكة مع قوى أخرى في المنطقة وخارجها .
صراع الشرق
واشتعل قبل أيام قليلة الصراع الأهلي في مدينة كسلا بشرق السودان بين الرافضين لتعيين الوالي عمار صالح والداعمين له، ثم اندلاع ثورة عنيفة من قبل مؤيديه بعد إقالته من منصبه أدت إلى إراقة الدماء بمقتل نظاميين ومواطنين محتجين قالت السلطات إنهم حاولوا الدخول في مبنى أمانة الولاية، ثم تطورات دامية حدثت أمس عندما حدث اشتباك بين قوة عسكرية نظامية مرتكزة وبعض المواطنين المسلحين .
نوافذ أجنبية
ولم يستبعد العديد من المراقبين في السودان وجود أصابع أجنبية تعمل على إشعال نيران التوتر الحالية في شرق السودان عامة، ويشير بعضهم إلى أن إرث دولة إريتريا الطويل في الصراع من النظام السابق لم يكن كله يقع في خانة التعامل بالمثل، بل ربما لا ينفصل عن رؤيتها الإستراتيجية لتحقيق مصالحها في البحر الأحمر بفصل الإقليم الشرقي والاستفادة من طبيعة التمازج والتداخل القبلي بين أحد المكونات في الشرق عبر استغلال بعض العناصر لتحقيق تلك الأجندة، وبالرغم من أن لدولة الإمارات قاعدة في إريتريا وتريد ان تكون لها يد في إدارة ميناء بورتسودان لتحقيق التوازن السياسي في المنطقة، باعتبار أن إريتريا نفسها تحتضن قواعد عسكرية لإيران وقطر وإسرائيل، لكن من المستبعد أن تكون لها يد في إشعال فتيل الصراع في الشرق باعتبار أن فصل الشرق يتقاطع مع مصالحها الاستراتيجية بالنظر إلى أنه لو تحقق سيكون أقرب لهيمنة قوى إقليمية معادية لها عندما يقع في الحضن الإريتري,
فضلاً عن أنها من الممكن أن تدخل مع الخرطوم في تفاهمات إستراتيجية تحقق مصالحها وتأمنها في البحر الأحمر دون فصل الشرق .
هل تغلق الحدود مع أسمرا؟
إذن إذا ما بان للخرطوم ان هناك خيوطاً تظهر بوضوح تدخلات إريترية في صراع الشرق من دعم مخابراتي ولوجستي أدت لمزيد من اشتعال الأزمة، فهل تضطر الخرطوم إلى إغلاق الحدود مع اسمرا كخطوة احترازية أمنية أو كوسيلة ضغط على الأقل؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق