السودان: محجوب مدني محجوب يكتب: الميتة وخراب الديار

بنظرة سريعة، ومن دون أن تكون عميقة يبدو أن السودان وقع تحت قبضة التطبيع مع إسرائيل.
وهي لعمري الميتة وخراب الديار، فلا نحن به سوف نجد حلا لمشاكلنا، ولا به سوف نتمكن من التخلص بمن يطمع في بلدنا.
التطبيع هو النتيجة الطبيعية لصراعاتنا الداخلية، فلا الجيش استطاع أن يكون حكومة قومية تلملم أطرافها وتقدر مواطنيها، ولا الحكم المدني استطاع أن يتخلص من العساكر، ويرسم له طريقا يحفظ للسودان أرضه وموارده.
نتيجة طبيعية أن تظهر إسرائيل وسط هذا العجز القبلي والبعدي للحكم.
نتيجة طبيعية أن تظهر إسرائيل وسط هذا الخواء الفكري، والتشظي اللامحدود لكل المكونات السياسية بالبلد.
إن كان داء التطبيع لم يظهر الآن فمتى يظهر ؟
الجوهرة التي حصلت عليها حكومة الثورة هي هذا السودان العامر بإنسانه وخيراته وثرواته، فإنها مع التطبيع مع إسرائيل، فسوف نفقد هذه الجوهرة، ولن نجد شيئا بعد ذلك نتصارع عليه.
إن كان السعي على أشده لحماية الجوهرة من سارقي الوطن وسارقي ثرواته ليتم تسليمها لإسرائيل، فهذا هو الغدر الذي لم يسبقه غدر، وهذه هي الخسارة التي لن تأتي بعدها خسارة.
إن افترضنا أن التطبيع شر لا بد منه، وخطوة مهمة تسبق كل الخطوات التي تنادي بالحلول السياسية، والاقتصادية، والأمنية فليترك هذا الأمر الحيوي والخطير، والذي تترتب عليه نتائج استحالة أن نتخلص منها، فليترك للمجالس التشريعية، ولقوى البرلمان القادم، ولمؤسسي الدستور الدائم للسودان؛ ليكن تحمل المسؤولية فيه مشترك وجماعي يقوم به جميع أهل السودان.
أما إذا استعجلت حكومة الثورة، واتخذت قرار التطبيع لوحدها، فهذا بمثابة الصفعة القاتلة التي وجهتها لهذه الثورة العظيمة، وتكون بمثابة من أؤتمن على جوهرة ثمينة، فقام ببيعها بأبخس ثمن، بحيث لن يتمكن من إرجاعها، ولم يحصل من ورائها مقابل.
رفض التطبيع مع إسرائيل ليست شيمة المتدين فقط بل إن السياسي الحصيف استحالة أن يدخل في هذا الفخ اللهم إلا من أجل البحث عن مصلحته الخاصة بحيث يريد أن يضمن عدم محاسبته للجرائم التي ارتكبها، وبعدم تعرضه لأي محاكمة، بل ربما يطمح باستلام السلطة إذا نجح في تمريره.
رأي وزير الخارجية يمثل قمة النضج، والوعي، وهو قوله بأن من فرض علينا الحصار، ومن وضعنا في قائمة الدول الراعية للارهاب هو أمريكا، وليس إسرائيل، وبالتالي، فليس هناك من مسوغ واحد يربط رفع السودان من الدول الراعية للارهاب والتطبيع مع إسرائيل اللهم إلا الابتزاز والاستغلال.
وهذا الرأي يتوافق مع موقف رئيس الوزراء المعلن، وهو أن التطبيع ليس من مهام الحكومة الانتقالية.
أما نسبة لحساسية الموقف، وارتباط حكومة الثورة بالرأي العام السوداني، فنخشى ما نخشاه أنه قد يكون تم الاتفاق على رسم موقفين للتطبيع:
موقف معلن يرفض التطبيع يتبناه رئيس الوزراء ووزارة الخارجية،
وموقف خفي يسير في اتجاه التطبيع، وتحقيقه يتبناه البرهان وحميدتي.
وهذا التكتيك لتمرير التطبيع للأسف له أكثر من سبب يدل على صحته:
* اقتراب انتخاب الرئيس الأمريكي لدورة رئاسية ثانية وربط الدعاية لانتخابه بالتقرب للوبي اليهودي الأمريكي بنشر ظاهرة التطبيع في المنطقة العربية، وهذه الخطوة ليس لها معنى بعد الانتخابات الأمريكية، وهذا هو سبب مطالبة إدارة (ترامب) بسرعة تحقيقه.
* الزيارة الثانية للبرهان للقاء الوفد الأمريكي بالإمارات، مما يدل أن لقاء أوغندا الأول تمت به وعود وخطوات متقدمة تسير في تجاه تحقيقه.
* إقالة ممثل وزير الخارجية السوداني بسبب تصريحه بأن تطبيع السودان مع إسرائيل واقع لا محالة، وقد ثبت أن الرجل لم يكن معتوها حينما صرح بذلك، وكان بكامل قواه العقلية.
* الزيارات للسودان من وفود إسرائيلية، والتصربحات التي تنشرها إسرائيل من وقت لآخر بأن التطبيع على وشك أن يتحقق في السودان.
* ارتياح بعض الدول العربية لخطوات السودان الساعية لرفع اسمه من قائمة الدول الراعية للارهاب.
فإذا صدقت نبوءة هذا الاستنتاج، والأيام جديرة باكتشافه، فإن الله يكون قد كتب ضياع الثورة التي ورثتها الحكومة الانتقالية من الثوار، وسوف تكون الحصيلة الموت، وخراب الديار.
وسوف يكون حصاد القوى السياسية، والعساكر، والحكومة الانتقالية الفشل والخيبة، فالفاشل والضايع لا يخلف من ورائه سوى الفشل والضياع.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق