السودان: عثمان جلال يكتب: ما بعد التطبيع السوداني الاسرائيلي

بعد الإعلان عن بدء عمليات التطبيع بين السودان وإسرائيل، بت على قناعة راسخة أن ما جرى يوم 11 أبريل 2018 هو محض انقلاب عسكري مزدوج، وان تلبس في ظاهره التكتيكي الانحياز للهبة الثورية الشعبية المصنوعة، ولكن في البعد الاستراتيجي كان انقلابا هوياتيا ضد صيرورة المشروع الإسلامي الوطني في السودان، وضد صيرورة المشروع الوطني الديمقراطي، وان الجموع الثورية التي احتشدت في القيادة العامة من سيناريوهات تبرير الانقلاب المزدوج وستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا، ويأتيك بالأخبار من لم تزودي، وواجبنا بث الوعي لاستعادة المجتمع زمام المبادرة الثورية.

ما يعزز قناعتي ذلك أن سلوك الحكومة الانتقالية في كل يوم يتناقض مع الشعارات والقيم الفكرية للثورة العميقة، وفي كل يوم تتعازل الحكومة الانتقالية عن حاضنتها الاجتماعية، مع تنافر وتشاكس مستمر لمكونات قوى الحرية والتغيير، في ظل استمرار حالة البينونة بين قوى الحرية والتغيير، والقوى السياسية الوطنية الأخرى الشريكة في مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية وبالطبع هذا التنافر والتشاكس هدف استراتيجي لصناع الانقلاب لان توافق القوى السياسية الوطنية من أقصى اليمين لأقصى اليسار في كتلة تاريخية حرجة وصلبة وطويلة المدى حول مشروع قضايا البناء الوطني والديمقراطي يعني رسوخ المشروع الديمقراطي، وتبيئته في مظانه الحزبية والمؤسسية، وتشظي القوى السياسية يعني وأد المشروع الوطني الديمقراطي، وصناعة نظام استبدادي جديد سيصعد إلى الحكم إما خلال الفترة الانتقالية وهو الاتجاه الراجح، لأن الوصول إلى ميس الانتخابات عقب الفترة الانتقالية يعني تشكيل برلمان منتخب، سيقوم بإلغاء قانون التطبيع مع إسرائيل، اما في حالة الوصول إلى مسار الانتخابات وفي ظل حالة التشظى والسيولة السياسية الماثلة ستعمل قوى الردة الانقلابية على توظيف تناقضات وشروخات القوى السياسية لتعطيل واجهاض التجربة الديمقراطية الرابعة وهي في مخاض صراع الرؤى والتكوين، تماهيا مع سياسة الراعي الخارجي للتغيير في السودان الذي يقف على تضاد استراتيجي مع النظام الديمقراطي، وتناغما مع سياسة التطبيع مع إسرائيل لأن التطبيع مع الدول العربية في المخيلة الإسرائيلية يعني حتمية استمرار الهزيمة الحضارية والثقافية للعرب وذروتها عدم تمكين الشعوب العربية من فرض ذاتها وإرادتها في الحكم،ومشروع النهضة العربية، وصناعة الطغاة والقادة المجازيين، واستمرار النظم الاستبدادية في المنطقة العربية بتجلياتها الملكية الاقطاعية والاتوقراطية العسكرية. وما يتفوه به وزير الخارجية الأمريكي بومبيو حول دعمهم للفترة الانتقالية والتحول الديمقراطي في السودان محض برباغندا لأن الإدارة الأمريكية الحالية لا تتعاطى في السياسة الخارجية من منظور نظرية القيم في العلاقات الدولية التي تركز على الديمقراطية ودولة القانون، وحقوق الإنسان الرئيس ترامب سمسار دولي.

ان واجبنا هو بث الوعي والتنوير وسط الطليعة الشبابية الثورية، لاستعادة الثورة السودانية المختطفة من قوى الردة، والثورة المضادة، وحفز تيارات قوى الحرية والتغيير باعتبارها الطليعة القائدة لمشروع الثورة للتصدي الجسور لإدارة حوار التطبيع الوطني الشامل مع كل القوى السياسية، وكل قطاعات المجتمع، وذلك لإنهاء حالة الانقسام والشرخ الوطني، وحشد كل هذا الاجتماع الوطني في كتلة تاريخية صلبة لإنقاذ الثورة السودانية وعبور المرحلة الانتقالية وتحقيق الهبوط الديمقراطي الآمن وتشكيل برلمان وطني منتخب يعبر عن التنوع السياسي والايديولوجي والديني، والاثني المائز في قاعدة المجتمع السوداني وتكوين حكومة وطنية شرعية، وعندها يمكن إدارة حوار فكري وسياسي عميق وسط المجتمع، وحوار شامل داخل البرلمان الوطني المنتخب حول التطبيع مع إسرائيل، وان أجاز البرلمان المنتخب قانون التطبيع فمرحبا بالتطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي الذي تصنعه إرادة الشعوب ويقوده قادة حقيقيين من رحم وارادة المجتمع وعلى درجة من الوعي والاستنارة، لا قادة مجازيين، فهذا هو التطبيع بمغزاه الحضاري العميق الذي يهابه العقل الإسرائيلي الجمعي نخبا وقاعدة اجتماعية، لأن مآلاته إنهاء معادلة التفوق الحضاري الإسرائيلي، والبداية الواثقة للصعود الحضاري للدول العربية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق