مراكز غسيل الكلى.. من المسؤول عن (الفشل)؟ (1)

تحقيق: هويدا حمزة
في حوار سابق أجريته مع مدير الإمدادات الطبية وقتها الدكتور جمال خلف الله قلت له (بتستوردو أدوية أكثر من الحاجة وتجو تبيدوها بعد انتهاء صلاحيتها   ده إسمو إهدار للمال العام تحاسبوا عليه). فاجأبني بسؤال وجدته منطقيا (طيب لو ماجبناها وقطعت إنتو بتريحونا)؟ فأجبته بشفافية (أكيد ما حانريحكم). والآن حدث ما كنا نخشاه فالإمدادات الطبية رصيدها من الأدوية المنقذة للحياة وخاصة أدوية جراحة وزراعة الكلى لا يكاد يكفي لعشرين يوما فقط بينما تضج مراكز الغسيل وهي تطالب بالمزيد .
الغسيل أو الموت
عدم الغسيل يعني ببساطة (الموت) ،أما المرضى فهم بين مطرقة الألم وسندان الأدوية المعدومة، وإذا وجدت فهي خارج سيطرة الحكومة وبأسعار خرافية لا يستطيعها مرضى الفشل الكلوي وهم في العادة بلا عمل لأن ظروفهم الصحية لا تسمح به، ومن ثم لكم ان تتصورا حجم المعاناة التي يعيشها أولئك الناس وأسرهم لأن الأمراض المزمنة وخاصة الفشل الكلوي تفقر الأسر.
أين العلاج المجاني؟
الجدير بالذكر أن  هناك ما يسمى أدوية الطوارئ (الإيدز ،الكلى  ، السرطان والدرن) وهي عادة تتكفل بها الدولة وتوفرها من الألف للياء يعني المريض يدخل إلى غرفة الغسيل وهو لا يحمل سوي نفسه  وهو غير مسؤول عن أي شيء وهنالك ميزانية اسمها ميزانية العلاج المجاني موجودة بالإمدادات ولكن  الآن توجد اشكالات كبيرة جدا تواجه مشروع الدواء، فالمرضى بمراكز الغسيل  يعانون الأمرين في البحث عن درب الملح وهذا الدرب كان سعره قبل سقوط النظام البائد ثلاثة جنيهات وهو الآن بـ250 جنيها والمريض  يحتاج لدربين للغسلة الواحدة ومع ذلك فهو غير متوفر وقد يجد المريض الذي يغسل في طوارئ بحري مثلا الدرب في الصافية وفي هذا مشقة للمرضى ومرافقيهم الذين يقضون سحابة يومهم في الركض بين الصيدليات وينفقون أموالا طائلة ليس كسعر للدواء فقط ولكن للركشات وسيارات الأجرة التي تقلهم من صيدلية لأخرى إضافة لسعر الدواء الذي يفترض أنه مجاني حسب مديري إمداد ببعض مراكز الغسيل .
لم يغسلوا
وفي جولة قامت بها (الإنتباهة)  على بعض المراكز فوجئنا بأن المرضى في مستشفى بحري لم يغسلوا غسلتهم المعتادة يوم الخميس المنصرم رغم أنه مركز (طوارئ ) يلجأ إليه المرضى ذوو الإصابات المكتشفة حديثا الذين لم يوزعوا بعد على مراكز غسيل ثابتة بعد التأكد من أنهم بحاجة لغسيل دائم ،والسبب انعدام تام لمستلزمات الغسيل وقد وجدت غرفة الغسيل خاوية إلا من بعض الأسرة الخالية .
بالخارج وجدت أحدهم ممددا على الأرض وقد غفا قليلا مغالبا السموم المتراكمة في جسده وبجانبه على الكرسي يجلس صبي صغير في حالة قلق وإشفاق على المريض الذي لا أدري صلة القرابة التي تربطه به .
سألت الصبي عن حال المريض فأجابني بأنه لم يغسل اليوم ،سألته لماذا ؟ فأجاب:(العيانين كلهم ماغسلوا ورجعوا بيوتهم لأنه الزول البجيب الدواء قالوا حصل ليهو حادث)! فسألته (شفاه الله ،ولكن أفرض مات عدييل يعني العيانين مايغسلوا ويموتوا برضو).وبالطبع لم يستطع الصبي الإجابة .
لا تأمين لمريض!
في هذه الأثناء فتح المريض عينيه المنهكتين كجسده فجلست على الأرض واستمعت له وهو يتحدث معي بصعوبة و(زهج) قال لي إنه يعاني من ضمور في الكلى ولم يغسل اليوم وإن عدم الغسيل يرفع البولينا ويدفعه للاستفراغ ولا يستطيع الأكل أو الشرب وتتراكم السموم في جسده وتمتلئ رئتيه وسائر جسده بالماء وأنه يشتري أدوية الغسيل وهي غالية جدا ولا يوجد دواء مجاني ،سألته عن التأمين فقال إن التأمين لا يستخرج للشخص بعد إصابته بالمرض ! وهذا ما يدعو للألم وبما أن التأمين الصحي مشروع تكافلي والحكومة هي التي تؤمن على مواطنيها فمن باب أولى أن تؤمن على المرضى وخاصة ذوي الأمراض المزمنة !
في هذه اللحظة وقف بجانبه رجل ستيني لعله والده أو قريبه من الدرجة الأولى وقام بنقله إلى سيارة تمهيدا لمغادرة المستشفى بعد أن يئسوا من إجراء الغسيل له .
(جهجهونا)
أما هناء أحمد فقد وجدتها مرهقة هي الأخرى بمظلة مستشفى بحري في مواجهة مركز الغسيل  ومعها أخرى لعلها شقيقتها وبرفقتهما صبي لعله لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره وقد تورمت قدماه وتغيرت ملامح وجهه ونظراته وبدا عدوانيا وهو يستمع لهناء تحكي لي كيف أنها (حامت بمريضها جميع المسشفيات ولم تجد من يوجهها أين تستقر به وماذا ستفعل لأنها المرة الأولى التي تحضر به إلى المستشفيات وكانت تتعشم ان تجد لابن أختها مستقرا بمستشفى بحري لأنه مركز الطوارئ الوحيد الذي استطاعت الوصول إليه مع العلم أن الخرطوم بها مركزان فقط للطوارئ ببحري وأم درمان ، قالت هناء:(أمبارح قابلنا الإخصائي فحولنا ابن سينا ،مشينا ابن سينا قالوا ماعندهم سرير خالص ، مشينا التميز من الباب رفضوا يدخلونا ،دخلنا بباب التميز فحولونا بحري ،الآن جينا بحري قالوا لينا أمشوا أعملوا تحاليل ونحن منتظرين ترحال عشان نمشي نحلل برة المستشفى ، والله المستعان بالجد المركز منتهي المفروض الولد ده يسعفوهو لكن المريض  بموت بالإهمال وليس المرض).
كلمة (طوارئ ) تعني أن الأمر جلل وفي موضوعنا هذا تعني أن حياة  المريض  مهددة ولكن رغم ذلك (الجرجرة حاصلة) فيطلبون منه عمل فحوصات بإجراءات طويلة ومرهقة ثم يغسل في اليوم التالي وقد يموت المريض وهو على كنبة الانتظار والتيم العامل لا يطرف له جفن بينما أسرة المريض (يتحرق حشاها)!
لا يوجد شيء
ذهبت لمقابلة المدير الطبي لمركز الغسيل دكتور إبراهيم فلم أجده ومن ثم اتجهت لمقابلة المدير الطبي للمستشفى دكتور عدلي لاستفساره عن سبب انقطاع الدواء وتفويت غسلة اليوم على المرضى، ولكن اعتذر بأنه لا سلطان له على المركز فهو منفصل عن المستشفى وقائم بذاته ،ومن ثم عدت مرة أخرى لمقابلة دكتور إبراهيم فلم أجده ووجدت دكتور عمر عبد العزيز الذي قال لي إن الأدوية تأتي من المركز القومي للكلى ومستهلكات الأمس استلفوها من أحمد قاسم وغيرها ، ولكن اليوم لا يوجد شيء السيور والبدرة وغيرها ،وقد فاتت بعض الغسلات على المرضى الذين يأتون في حالة طوارئ ،وقال انهم خاطبوا المركز عبر المدير الطبي ووعدوهم بحل الإشكال ولكن لم يحدث.
من أين لهم ؟
بعد حضور ترحال غادرت الأسرة المظلة واتجهت صوب السيارة في طريقها لعمل التحاليل اللازمة خارج المستشفى، بينما الأصل أن تتم التحاليل بالداخل مجانا لأن المركز خاص بالطوارئ ومعلوم أن علاج الطوارئ مجانا بغض النظر عن كونه من الأدوية المنقذة للحياة التي ظلت الإمدادات الطبية توفرها مجانا وبكميات كبيرة عبر المركز القومي لزراعة وجراحة الكلى حرصا على عدم انقطاعها من السوق فتضطر لإبادتها بعد انتهاء صلاحيتها وكنا نعتبر ذلك من البطر وإهدار المال العام، ولكنا أدركنا قيمة ذلك بعد انقطاعها فعليا وتوفرها في بعض صيدليات القطاع العام بالسوق الأسود بعد أن سجلت معظم الأدوية ومن بينها أدوية زراعة وغسيل الكلى (0) في مخزون الإمدادات الطبية بسبب شح العملة الأجنبية والأزمات التي طالت جل أوجه الحياة السودانية مع العلم أن القطاع الخاص لا يستورد تلك الأدوية ومن ثم يبرز السؤال المهم (من أين لهم) وسنرجئ الإجابة عليه إلى حلقتنا القادمة بإذن الله .
مستشفى أحمد قاسم ينفي
وصلتنا شكاوى كذلك من انقطاع ذات الأدوية في مركز (أحمد قاسم ) لغسيل الكلى  أن هناك نقصا في اللاين وهو الجهاز الذي يتم توصيل المريض به على الماكينة وهو بأكثر من 1000 جنيه وهنالك أيضا حقنة السيولة (الهيبارين) غير متوفرة وكذلك البلاستر (اللصقة) إضافة للقفازات التي يستخدمها التيم العامل ، وقبل أن أذهب إلى المدير الطبي تحدثت إلى المريض فرح محمد أحمد الذي قال إنه كان يشتري حقنة الإبريكس بـ 500 جنيه وربما زاد سعرها الآن والكالسيوم أيضا  وقبل أن أكمل حديثي معه استوقفتني إحدى الكوادر الطبية أو لعلها من الأمن حسب حديثها وبرفقتها أحدهم لم يعرفني بنفسه ولاموني على الدخول خلسة رغم أنني استأذنت من أحدهم بمدخل المركز، واقتادوني للمدير الطبي التي رفضت الحديث إلا بخطاب من المركز القومي للكلى ولكنها عادت وأكدت أنهم لا يواجهون نقصا في أي من مستهلكات الغسيل رغم الأحاديث السابقة ومن ثم قرأ الشاب بطاقتي فقال لي إنها (منتهية الصلاحية )فقلت له (كوني لم استخرج بطاقة الصحيفة التي عدت إليها قريبا هل هذا يعني أني ما صحفية) ؟ ياخ الناس بتسوق برخصة منتهية ! فقال لي هذه مخالفة للقانون ؟فقلت له (ده ما بعنيك لأنك ما رجل مرور) ثم طلب مني الانتظار لحين ذهابه للسكيورتي لمعرفة كيف دخلت ! وبعد انتظار قلت لمن بالمكتب (هل أنا معتقلة ولا ممكن أمشي ؟) فسمحوا لي بالمغادرة وكان يفترض أن يشكروني لأنني أتيت لأستوثق من صحة المعلومات بدلا من النشر بدون تثبت .
تقصير الإدارة
أحد المرضى الذي يتلقى العلاج بمركز بحري الدناقلة اشتكى من عدم حصوله على حقن  الابريكس لشهري يونيو ويوليو وقد تقدم بشكواه لوزارة الصحة وتم التحقيق مع المدير العام واتضح أن الحقن متوفرة وقتها ولكن إدارة بحري الدناقلة لم  تطلب حصتها وقد استقال  المدير العام على إثر ذلك  كما استقالت الميترون  بينما لا يوجد مدير طبي.
حياة المرضى في خطر
مدير الإمداد بأحد المراكز قال إنهم يستهلكون في الشهر حوالي 5000 درب ملح وإنهم سابقا كانوا يذهبون أول الشهر ويحضرون  كل هذه المستهلكات ويضعونها في المخزن ويردف :(الآن نحن في حالة ركض مستمر لأنه غير متوفر ) يقولوا ليك الملح جا تقوم جاري يدوك300  بينما حاجتك الفعلية 5000 ويقسموها ليك زي المرارة . اليوم الهيبارين غير موجود ويقوم المرضى بشرائه وهو غال جدا بأكثر من 300 جنيه ويشترون الكاستر(القسطرة) والجهاز والدرب حتى يستطيع الغسيل واللصقة وهي غير متوفرة إلا في بعض الصيدليات الخاصة البعيدة من مراكز الغسيل مما يعرض حياة المرضى في بعض المراكز للخطر، والمراكز نوعان طوارئ يغسل فيها المرضى قبل توزيعهم حتى يتأكدوا انه بحاجة لغسيل دائم ثم  يوزع جغرافيا حسب مكان سكنه ومن ثم يكون لديه جدول ثابت. مع العلم أن السودان  كله به مركزان فقط في بحري وأم درمان).
تقاعس الإدارة العليا
وبخصوص ماكينات الغسيل يقول مصدرنا إن تأسيس المراكز بائس فالماكينات غير كافية وتعاني من مشاكل فنية وطبيعي جدا  أن تتوقف الماكينة أثناء وردية الغسيل  ثم يأتي المهندس ويبدأ (يلكلك) فيها مثل عربات السبعينات الشغالة اليومين دي ولا توجد صيانة دورية كما لا توجد أماكن للصيانة رزق اليوم باليوم يعني ويمكن أن يكون المريض موصل بالماكينة وتتم صيانتها في ذات الوقت،  فالأماكن نفسها غير مريحة والناس متكدسة إضافة لان تيم المهندسين لا يملكون خبرة أو كما قال .واتهم محدثي الإدارة العليا للمركز القومي بالتقصير والتقاعس في توصيل الطلبيات للإمدادات الطبية لدرجة أنهم يلاحقون الإدارة لتفعل .
إدارة مجتهدة ولكن
ولكن مدير إمداد بمركز آخر يدحض هذا الاتهام ويبرئ إدارة المركز من مسؤولية الدواء المعدوم، وقال إن مركزه لم يتوقف يوما عن الغسيل وإذا فاتت غسلة على المرضى فسيقدم استقالته لأن من واجبه أن يتصرف بأية وسيلة لينقذ حياة المرضى التي يعرضها عدم الغسيل للخطر، ويؤكد أن الادارة تقوم بدورها كاملا وتبذل أكثر من طاقتها لتوفير الادوية، لكن عزا الأمر للواقع الاقتصادي للبلد وشح العملة الصعبة الذي أثر على كل شيء، واتهم محدثي بعض إدارات المراكز بالفساد وسوء الإدارة .
لفت نظري بعض مديري المستشفيات  أن مراكز الغسيل لا تتبع لإدارة المستشفيات رغم أنها توجد داخل تلك المستشفيات وبكوادرها الطبية والسبب أن إدارة المراكز طالبت بذلك الفصل الإداري ليتسنى لها التسيب والعمل دون رقيب كما قيل لي والدليل أن مدير طبي يداوم  يومين في الأسبوع فقط !  فلماذا لم  يصلوا لحل توافقي ورفعت إدارات المستشفيات يدها وترك الجميع المرضى في مهب الريح؟
خيار وفقوس المركز!
إذن لماذا تغسل بعض المراكز وتنفي وجود نقص أو انعدام للأدوية بينما مراكز أخرى تشتكي لطوب الأرض بل وتفوت غسلات على المرضى كما حدث في طوارئ بحري؟هل يتعامل المركز القومي لأمراض وجراحة الكلى مع المراكز بانتقائية فيعطي بعضها ويمنع الآخر أم أن الأمر يتعلق بسوء إدارة وإهمال في المراكز الأخيرة كما قيل لي؟
نجيب عن هذا السؤال في الحلقة القادمة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق