بعــد توقــيع ترامــب.. تل أبيب تترقب بصمة المجلس التشريعي على التطبيع 

الخرطوم: أحمد طه صديق
في منتصف التسعينيات ألمح وزير الخارجية السودانية د. أبو صالح بإمكانية التطبيع مع إسرائيل لتحقيق مصالح السودان، بيد أن تصريح الوزير يبدو أنه أثار غضب د. حسن الترابي عرّاب النظام في ذلك الوقت وزعيم الحركة الإسلامية فتمت إقالة الوزير بعد فترة قليلة .
بيد أن نظام الإنقاذ الذي واجه حصاراً من الولايات المتحدة وعقوبات أممية، فتح باب التعاون على أوسع أبوابه معها عبر بوابة المخبارات في مجال مكافحة الإرهاب، فسلمت الخرطوم آنذاك عدداً من المشتبه فيهم من الإسلاميين المتشددين، ولولا خوف النظام من إحداث شرخ في تحالفته الإسلامية بالداخل وبعض أعضاء الحركة الإسلامية الأكثر التزاماً لمضى في مجال التطبيع مع إسرائيل كما يرى عدد من المراقبين .
تل أبيب تطرق الأبواب
وفي عهد حكومة الثورة طرقت تل أبيب أبواب الخرطوم للمرة الأولى عبر زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى يوغندا والتقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي في سبتمر الماضي .
وأعقبه العديد من التصريحات الإسرائيلية من بعض المسؤولين الإسرائيلية بأن السودان بات قريباً من التطبيع مع إسرائيل، وكانت الولايات المتحدة تضغط على حكومة الخرطوم بالمسارعة في خطوات التطبيع، وزار وزير الخارجية الأمريكي السودان لتحقيق هذا المطلب، ولحرص واشنطون ممثلة في الرئيس ترامب على إتمام عملية التطبيع عاجلاً لإرضاء اللوبي الإسرائيلي المؤثر في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يخوض ترامب غمارها، حرصت إدارتها على مساومة السودان بإخراجه من قائمة الإرهاب نظير التطبيع، الا أن الحكومة السودانية التي تواجه رفضاً لخطوات التطبيع من عدد كبير من منظومتها الحاضنة السياسية (قحت) توصلت لتسوية مع الإدارة الإمريكية بأن تعلن واشنطون استعدادها لإخراج السودان من قائمة الإرهاب بعد دفع الخرطوم التعويضات لأسر ضحايا التفجيرات، وبما أن الخطوة لن تكتمل سريعاً يكون السودان قد اكمل خطوات إنشاء المجلس التشريعي خلال نهاية الأسبوع القادم، حتى يتسنى له إعلان التطبيع من خلال المجلس التشريعي حتى يكتسب شرعيته ويجنب الحكومة حرج القرار .
الإعلان الرسمي لإزالة السودان من قائمة الإرهاب
وتوجت أمس تصريحات المسؤولين الأمريكيين بقرب إزالة السودان من قائمة الدول الراعية  للإرهاب بقرار أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً بهذا الصدد، كما أخطر الكونغرس بعزمه إصدار قرار إزالة السودان من القائمة التي ظل فيها قابعاً منذ عام 1993 في عهد النظام السابق، واعتبر مجلس السيادة أن القرار تاريخي للسودان وثورته المجيدة، كما رحب رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك بتوقيع الرئيس الامريكي دونالد ترامب أمس الجمعة على القرار. وغرّد على حسابه بتويتر قائلاً: (أشكُر الرئيس ترامب لتوقيعه اليوم الأمر التنفيذي لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ومستمرون في التنسيق مع الإدارة الأمريكية والكونغرس لاستكمال عملية إزالة السودان من القائمة في أقرب وقت. ونتطلع إلى علاقات خارجية تخدم مصالح شعبنا على أفضل وجه).
وكانت قد حطت طائرة إسرائيلية في الخرطوم اول أمس تحمل وفداً إسرائيلياً يضم مسؤولين من مجلس الوزراء والاستخبارات والأمن، وبحسب المصادر الإسرائيلية فإن الوفد التقى مسؤولين سودانيين لوضع اللمسات الأخيرة للتطبيع مع السودان، ولم يمض سوى يوم واحد على هذا القرار حتى أصدر الرئيس الإمريكي
قرار إزالة السودان من قائمة الإرهاب، وقال مصدر سوداني مطلع لمراسل (الجزيرة) إنه من المتوقع عقد مؤتمر عبر الفيديو أمس الجمعة، يشارك فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك. وأوضح المصدر أن مراسم المؤتمر ستقتصر على تبادل التهانئ بقرار رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.
وأضاف أن حمدوك سيعلن أن مسألة التطبيع مع إسرائيل ستنتظر قراراً من المجلس التشريعي الانتقالي المرتقب تكوينه قريباً في السودان.
وأضاف أن الحكومة الانتقالية السودانية أخذت كل الضمانات والتعهدات بأن تكتمل هذه التسوية بتشريع من الكونغرس الأميركي يعيد الحصانة لدولة السودان من المقاضاة أمام المحاكم الأميركية.
وأشار إلى أن التعويضات المالية التي دفعها السودان لصالح ضحايا تفجير المدمرة (كول) وسفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام لن تسلم إلى مستحقيها قبل شهر فبراير، حيث تكتمل كل خطوات رفع اسم السودان من القائمة الأميركية.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان إن الوزير مايك بومبيو أشاد في اتصال هاتفي مع حمدوك، الخميس، بجهوده حتى الآن لتحسين علاقة السودان بإسرائيل، وعبر عن أمله في أن تستمر.
وأضاف البيان أن بومبيو وحمدوك رحبا بالتزام الرئيس ترامب بالمضي قدماً في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
المجلس التشريعي هل يبصم على التطبيع؟
ربما تواجه الحكومة صعوبات في تكوين المجلس التشريعي على وجه السرعة، نسبة لأن الحرية والتغيير ربما تحتاج إلى وقت للوصول إلى وفاق في اختيار حصتها داخل المجلس وكذلك القوى السياسية الأخرى، غير أن الجبهة الثورية ربما لا تجد صعوبات في عملية التوافق التمثيلي داخل البرلمان، باعتبار أن كل كتلة تختار منسوبيها وفق اتفاق فيما بينها .
وبالرغم من أن الحاضنة السياسية (قحت) تمتلك النسبة الأعلى داخل البرلمان، لكن ليس من المتوقع ان يشكل ذلك عقبة تحول دون تمرير قرار التطبيع مع إسرائيل، فكما ذكرنا من قبل ربما تحدث تكتيكات تحت الطاولة تعمل على المسارعة في تكوين المجلس التشريعي بعد إحداث هيكلة في قوى الحرية والتغيير ربما خلال الشهر القادم بغرض تمرير ملف التطبيع. وبالرغم من أن الأغلبية الميكانيكية داخل المجلس لصالح قوى الحرية والتغيير، لكن حدوث تفاهمات فردية وجماعية مع أعضاء المجلس بجانب القوى المؤيدة للتطبيع من احزاب وكيانات اهلية وقوى لم تنضم للحرية والتغيير بجانب الجبهة الثورية وحزب المؤتمر السوداني الذي بات يمتلك رصيداً مقدراً من تأييد الشباب له وبسبب كسبه النضالي القوي ضد نظام الإنقاذ، يمكن أن تساعد كل هذه العوامل على تمرير الملف بسلاسة، رغم الرفض القوي لحزب الأمة بقيادة زعيمه الصادق المهدي قرار التطبيع بإصرار شديد، وكذلك القوى اليسارية كالشيوعي وشطري حزب البعث والحزب الناصري وقوى سياسية وتيارات سلفية بعضها متشدد، سيما أن الظروف الاقتصادية الحرجة جعلت الكثير من القطاعات الشعبية والنخب في السودان تنظر للتطبيع مع إسرائيل بواقعية بعيداً عن المبادئ المجردة والاتكاءات النظرية لبعض القوى السياسية في السودان، وهو أمر ربما جعل الحكومة في الخرطوم تأخذ مواقف أكثر جرأة تجاه هذا الملف، وكذلك ربما يدفع أكثر أعضاء المجلس التشريعي لتمريره وإذا ما حدثت تحولات إيجابية في الرأي العام السوداني تجاه التطبيع في الأيام القادمة، فربما تضطر بعض القوى السياسية الى الغياب عن الجلسة بحجة الاحتجاج على وضع الملف على طاولة المجلس، وربما يمتنع بعض المستقلين عن التصويت، وكلها حيثيات إذا ما جرت ستجعل قرار التطبيع محسوماً ببصمة المجلس بأغلبية مقدرة، وعندها ستتنفس الحكومة الصعداء وهي تواجه الصعوبات الاقتصادية المعقدة، باعتبار أن صافرة انطلاقة التطبيع ستضخ ملايين الدولارات في الخزانة العامة التي طالما عانت طويلاً من العوز الشديد منذ تكوين الحكومة المدنية، كما أن ترامب سيكون أكثر اطمئناناً إزاء أصوات اللوبي اليهودي له في معركته الانتخابية مع خصمه، وسيسعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بحصوله على ورقة رضاء شعبية بعد أن حصل على صك التطبيع مع دولة عربية ذات أغلبية مسلمة، طالما دعمت حكومتها السابقة منظمات تناصب إسرائيل العداء لعدة سنوات خلت .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق