بيان مجلس الأمن.. ورسالة البلتاجي

البيان الصحفي الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي أول أمس بشأن العلاقة بين السودان وجنوب السودان، أظهرته وسائل الإعلام عندنا وكأنه إملاء دولي جديد على الخرطوم يطالبها بضمان عبور نفط الجنوب عبر أراضينا، وعدم إغلاق أنبوب النفط والاستمرار في نقله لصالح دولة الجنوب.
وهذا البيان ليس كذلك ولا هو قرار من المجلس ولا إلزام فيه سوى أنه تصريح صحفي صادر عن المجلس لا يمكن تحميله أكثر مما يحتمل وتفسيره على غير مقصده وتأويله على غير ما جاء به. ويتطابق هذا البيان الصحفي لمجلس الأمن الدولي مع موقف الحكومة حول ما يجري في منطقة أبيي وتهديدات بعض القياديين المتوترين والموتورين في الحركة الشعبية مثل إدوارد لينو بإجراء الاستفتاء حول تبعية منطقة أبيي في أكتوبر المقبل، وهو حديث لا قيمة له ولا يمكن تصور حدوث ما تمت الإشارة إليه، وهو خبط عشواء وخلط للأوراق وتصريح من لا يملك الحق في ما لا يعنيه.
رسالة البلتاجي
لن يندثر هذا الأدب الراقي في الأمة، ولن تموت هذه المعاني الجليلة الشفيفة، ولن تذوي ملامح الصبر الجميل والبوح الأرق حتى يرث الله الأرض وما عليها، فما بين تجاويف المحنة وسراديبها ووسط الملاحقات والمطاردات والتربص وسيل الدماء، جاءت كلمات القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي إلى ابنته الشهيدة أسماء ذات السبعة عشر ربيعاً، التي سافرت روحها إلى بارئها حين اغتالتها رصاصات صدئات أقبلن من الظلمات، من ظلمات القهر والعسف والقمع والتسلط الانقلابي في مصر.. يوم «14» أغسطس الماضي أثناء فض اعتصام ميدان رابعة العدوية.. وكانت جريمة بشعة ضد المعتصمين.. كان البلتاجي وسط المعتصمين وبين الأشلاء والدماء والدخان والتكبيرات حين جاءه خبر استشهاد ابنته، وقال قولة شهيرة يومها، وكتم وكبح حزنه وكان أقوى من طود أشم.. لكنه في وسط جراح الفؤاد وبين سجوف الحزن وهو يعانق الصبر.. كتب رسالة أب رقيقة لابنته الشهيدة التي بلا شك حيَّة ترزق عند ربها.. وكأن هذه الكلمات نابضة وحيَّة تجري في حروفها الحياة المتدفقة.. وحق لرجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا أن يبكي.. وستظل هذه الرسالة تبكي كل قلب مؤمن وكل خلجة إنسانية تعرف معاني ما جرى وتدرك جلال هذا النور.. فلنقرأ معاً هذه الرسالة العجيبة:
«ابنتي الحبيبة وأستاذتي الجليلة الشهيدة ــ أسماء ــ البلتاجي.. لا أقول وداعاً بل أقول غداً نلتقي..
عشت مرفوعة الرأس متمردة على الطغيان ورافضة لكل القيود وعاشقة للحرية بلا حدود وباحثة في صمت عن آفاق جديدة لإعادة بناء وبعث هذه الأمة من جديد لتتبوأ مكانتها الحضارية.
لم تنشغلي بشيء مما ينشغل به من هم في مثل سنك، ورغم أنك كنت دائماً الأولى في دراستك فما كانت الدراسة التقليدية تشبع تطلعاتك واهتماماتك.
لم أرتوِ من صحبتك في تلك الحياة القصيرة، خاصة أن وقتي لم يتسع لأسعد وأستمتع بتلك الصحبة، وفي آخر جلسة جلسناها سوياً في ميدان رابعة عاتبتيني قائلة: «حتى وأنت معنا مشغول عنا»، فقلت لك «يبدو أن الحياة لن تتسع لنشبع من بعضنا.. وأدعو الله أن يسعدنا بالصحبة في الجنة لنرتوي من بعضنا البعض».
رأيتك قبل استشهادك بيومين في المنام في ثياب زفاف وفي صورة من الجمال والبهاء لا مثيل لها في الدنيا، وحين رقدت إلى جواري سألتك في صمت هل هذه الليلة موعد زفافك؟، فأجبتيني «في الظهر وليس في المساء سيكون الموعد»، وحينما أخطرت باستشهادك ظهر الأربعاء فهمت ما عنيت، واستبشرت بقبول الله لشهادتك وزدتيني يقيناً أننا على الحق وأن عدونا هو الباطل ذاته.
آلمني شديد الألم ألا أكون في وداعك الأخير، وألا أكحل عينيَّ بنظرة وداع أخيرة، وألا أضع قبلة أخيرة على جبينك، وألا أشرف بإمامة الصلاة عليك.. والله يا حبيبتي ما منعني من ذلك خوف على أجل ولا خوف من سجن ظالم، وإنما حرص على استكمال الرسالة التي قدمت أنت روحك لأجلها، وهي «استكمال مسيرة الثورة حتى تنتصر وتحقق أهدافها».
ارتقت روحك وأنت مرفوعة الرأس «مقبلة غير مدبرة» صامدة مقاومة للطغاه المجرمين.. أصابتك رصاصات الغدر والندالة في صدرك، ما أروعها من همة وما أزكاها من نفس .. أثق أنك صدقتِ الله فصدقك واختارك دوننا لشرف الشهادة.
أخيراً ابنتي الحبيبة وأستاذتي الجليلة.. لا أقول وداعاً بل أقول إلى اللقاء.. لقاء قريب على الحوض مع النبي الحبيب وأصحابه.. لقاء قريب في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. لقاء تتحقق فيه أمنيتنا في أن نرتوي من بعضنا ومن أحبابنا ريَّاً لا ظمأ بعده».
والدك: محمد البلتاجي

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى