التطبيع مع إسرائيل .. صراع الحاضنة السياسية

أعدها: أحمد طه صديق
بالرغم من أن التحولات الإيجابية تجاه ملف التطبيع من قبل عدد من القوى السياسية والقطاعات الشعبية لكن يبدو أن عملية البصم النهائي على الملف  على الصعيد الداخلي تواجه عقبات معقدة من حيث الجهة التي ستقوم بإصباغ الشرعية له ، فهل يقوم بها المجلس التشريعي وهو الجهة المناط بها إجازة مثل تلك القضايا المركزية ؟ أم الحكومة في حالة تعذر قيام المجلس التشريعي ؟ يبدو أن الإجابة النهائية لا تلوح في الأفق حتى الآن بالنظر إلى البيئة الظرفية الحالية للبلاد التي تبدو فيها التيارات السياسية غير متناغمة تماماً حول هذا الملف ، باعتبار أن الحاضنة السياسية تتعدد فيها ألوان الطيف السياسي وإن كان يبدو أصوات القوى اليسارية كالحزب الشيوعي أو الأحزاب القومية لا تمتلك الشعبية الكافية بيد انها تمتلك نفوذا مقدراً داخل الحاصنة السياسية (قحت) كما أن صوتها يبدو عالياً أكثر من الآخرين ربما تعويضاً لتجاوز أصداء الأغلبية الميكانيكية لبقية التيارات السياسية أو خبراتها السياسية المتراكمة في قيادة الاحتجاجات وإسماع إيقاع حنجرتها وإن فاقها الآخرون ضخامة .

جبهة شعبية للمعارضة
وفي إطار معارضة الأحزاب ذات الطابع الآيدلوجي القومي أحزاب البعث والناصري  لملف التطبيع أعلن القيادي في  الحرية والتغيير والناطق الرسمي باسم حزب البعث السوداني محمد وداعة عن اتجاه لتكوين جبهة سياسية ومجتمعية معارضة وقال إنه منذ أيام شرعوا  باتصالات سياسية مكثفة مع رموز المجتمع، في قطاعات الفن والثقافة والكتاب، لتكوين جبهة ضد التطبيع وقال “هناك عدد من الأحزاب داخل قوى إعلان الحرية والتغيير (لم يذكرها) حذرت الحكومة بسحب التأييد منها عند التطبيع، كما أن أحزابا أخرى ستعلن مواقف شبيهة”.
وأضاف “إنها حكومة ثورة عليها أن تستقيل وترد الأمر لأهله إن لم تستطع مواجهات الصعوبات.
في حين أعلن الحزب الشيوعي أحد مكونات قحت عبر تصريحات وحوارات صحفية من قبل رموزه البارزين أنه يرفض التطبيع مع إسرائيل وقال عضو المكتب السياسي كمال كرار في حوار سابق لـ(الإنتباهة) ، بان التطبيع مع اسرائيل غير قابل للنقاش في الفترة الانتقالية ، وان موقف الشعب السوداني من التطبيع سيحدده بعد الانتخابات القادمة ، اي ان الحكومة الانتقالية غير مفوضة لتتخذ القرار .
بينما يعتبر حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي من اكبر التيارات السياسية وزناً التي تعارض التطبيع مع إسرائيل بقوة وقد عبر الحزب مواقف رافضة عبر زعيمه وأعضائه البارزين في الحزب
لكنه مع ذلك عبر بشكل مفاجئ بعد اجتماع عقده امس على لسان نائب رئيس الحزب إن الحزب لا يعارض التطبيع من حيث المبدأ لكن الثمن المدفوع  بخس وأن إخراج السودان  من قائمة الإرهاب  حق أصيل للسودان.
لمن ترجح الكفة
يبدو أن الحكومة واثفة من تمرير الملف عبر المجلس التشريعي في حالة قيامه نسبة لوجود تيارات واحزاب سياسية تؤيد التطبيع فهناك الجبهة الثورية من أكثر المتحمسين للتطبيع باستثناء جناح جبريل إبراهيم نسبة لخلفية الحركة السياسية ، كما ان المؤتمر السوداني أيضاً يبدو أنه سيكون الأقرب للمؤيدين ، إضافة إلى الحزب الاتحادي الموحد حيث أعلن رئيسه محمد عصمت عبر تصريح لـ(الإنتباهة ) قبل أيام ان الوثيقة الدستورية   في الفقرة (12) من مهام المرحلة الانتقالية تعطي الحق لرئيس الوزراء بالسعي لخلق علاقات خارجية متوازنة ، لتخدم المصالح العليا للشعب السوداني ، ولفت إلى ان هذا النص يمنح رئيس الوزراء الحق في إقامة اية علاقات خارجية مع اية دولة ، طالما ان هذه العلاقات ستخدم المصلحة السودانية العليا وقال ان رئيس الوزراء يرى ان هنالك مصلحة قومية عليا للسودان ، إذا ما تم الالتزام بمساعدات محددة كما ذكرت صحيفة (الإنتباهة) ،ولا ضير في ذلك ، فالعلاقات الخارجية قائمة على المصالح ، ولا تعرف لغة غير المصالح ، لذلك من الطبيعي ان تتغير هذه المواقف ، وفقا لاي متغيرات تخدم مصلحة البلاد. واشار عصمت إلى ان الشروط التي طرحها حمدوك غير مجزية ، وأضاف كان يمكن لرئيس الوزراء ان يطلب اكثر من ذلك ، وربما ينضم حزب الأمة لترجيح الكفة داخل التشريعي بعد موقفه الأخير أو ربما امتنع عن التصويت وهو الخيار الأقرب .
أيضاً هناك قطاعات مجتمعية داخل البرلمان قد تكون لها كلمتها ، علاوة على عمليات استقطاب ربما تجري خلف الكواليس تعمل على ترجيح كفة المؤيدين لملف التطبيع.
آلية الحسم
ربما توجد صعوبات تواجه تكوين المجلس التشريعي الذي تراهن عليه الحكومة لترجيح كفتها ، نسبة لأن بعض القطاعات المؤثرة التي تؤيد ملف التطبيع غير متوافقة على اختيار ممثليها داخل البرلمان كالجبهة الثورية التي تضم عددا من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام لكن ربما تلعب الحكومة ممثلة في المجلس السيادي الذي تبنى المفاوضات معها في جوبا ربما يلعب دوراً فاعلاً في تجاوز هذه الخلافات كوسيط مقبول لديها ونسبة لحاجتها الملحة لقيام المجلس التشريعي حتى يقوم بإجازة اتفاقية السلام التي تمكنها من الالتحاق بمنظومة الحكم عبر هياكله المختلفة  ، وكذلك كيان الحرية والتغيير قد يواجه أيضاً الكثير من الصعوبات التي تحتاج إلى وقت وهو ما يشكل العقبة الرئيسة في عرقلة قيام المجلس التشريعي ما لم تحدث هيكلة داخل كيانه الفضفاض مما يؤثر في إحداث عملية توازنات سياسية تؤثر على تركيبته وهو ما تلهث إلى تحقيقه الجبهة الثورية وهو بعض التيارات غير المنضوية للحرية والتغيير .
هل تجيز الحكومة الملف ؟
بالرغم من أن الحكومة تتعجل إجازة ملف التطبيع داخل البرلمان حتى تستطيع أن تقوي موقفها تجاه الولايات المتحدة مما يساعدها على إتمام عملية النهوض الاقتصادي عبر المساعدات الدولية لكنها مع ذلك يصعب عليها أن تغامر بإجازة الملف عبر مجلسيها الوزاري والسيادي لأنه تريد إجازة التشريعي يكفيها الحرج من خصومها ويعطي الملف شرعية دستورية ، لكن قد يرى بعض المراقبين أن الحكومة إذا تعثر قيام المجلس التشريعي فإنها قد تحاول كسب الوقت بإجازة المجلس بنفسها وتغامر بتلقي العديد من سهام المعارضة .
غير أن ذلك يبدو أمرا شبه مستبعد لأن ملف التطبيع من الممكن أن يسري بعض جزئياته عملياً عبر التعاون  مع إسرائيل في بعض المجالات  كالزراعة وعبور الطائرات الإسرائيلية في الأجواء السودانية وقد لا تلتفت الحكومة لأي معارضة تعيق هاتين الخطوتين بحجة المصلحة العليا والظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد وذلك حتى يتم تشكيل المجلس التشريعي.
إذن فإن خيار المجلس التشريعي لإجازة ملف التطبيع عبر هذه الحيثيات المذكورة قد يكون هو الأقرب للتحقق رغم المطبات العديدة التي تواجهه .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق