السودان: صديق البادي يكتب: يوميات سوداني يعمل عميلاً لأمريكا

وقف مواطن من غمار المواطنين أمام أحد أكشاك بيع الصحف قبل ثلاثة أعوام وناداه أحدهم باسمه وسمعه آخر كان بقربهما وسلم علي من نودي عليه سلاماً حاراً ولم تكن بينهما سابق معرفة وذكر له انه يتابع باهتمام كل ما يكتبه وطلب منه أن يذهب معه في عربته لبهو فندق يقع في ناصية علي شارعين رئيسيين ليتآنسا قليلاً . وذكر له انه سمع عنه منذ سنوات كلاماً طيباً وثناءً عاطراً من م.أ.ط الذي كان يعمل في مجال الترجمة والتوثيق ورصد المعلومات وقال ضاحكاً إن م أخبره أنك ذهبت قبل سنوات في رحلة بحثية ميدانية جبت فيها في الشتاء والبرد القارص مناطق عديدة متباعدة جغرافياً بكردفان الكبرى وقمت بمجهود كبير فيه سفر وسهر باعتلاء اللوارى والعربات ليلاً وهي تقطع الفيافي مع المبيت أحياناً علي الأرض في الخلاء البارد وعندما هممت بالعودة للخرطوم وأنت تحمل معك ثروة هائلة من المعلومات التي دونتها علي الورق انقطع ما معك من مال واضطررت في الأبيض للمبيت ليلتين في المسجد الكبير لأنك لا تملك قيمة المبيت في الفندق وبعد الاستئذان من احد البنائين عملت معه طلبة تعجن وتحمل المونة مع قضاء بقية الساعات قبل النوم حمال بالسوق حتي تمكنت من توفير قيمة تذكرة العودة للخرطوم . وذكر ان م أخبره بأنك غير منظم مع الجماعة واسمك غير مسجل في كشوفاتهم المرصودة بأجهزتهم وأمثالك عندهم مجرد اصفار علي الشمال او مجرد دراويش ولذلك حرمت من حقك الطبيعي وحدثت ( عرقلة ) واعتراض علي التوصية بمنحك قطعة أرض . واستطرد محدثي قائلاً لقد خدمت الوطن أكثر منهم وأخذ يلف ويدور كثيراً حول هذه النقطة وما لم أقله له وظللت محتفظاً به لنفسي ان كبيرهم عفا الله عنه ومتعه بالصحة وموفور العافية وألهمه الصبر والسلوان وهو في شيخوخته ومحبسه الإجباري ويقول بعض أهله من قري قريبة منا أنه متواضع معهم وحين يستقبلهم في منزله الرئاسي يسألهم عن أحوالهم ويقف علي كثير من التفاصيل ويكون منبسط الأسارير وعلي سجيته معهم يضحك ويداعب وينكت وعندما يعكر مزاجه يحتد ويرفع صوته ويهدأ بعد حين وكانوا معه في جلسة أنس لطيفة وعكر أحد الجالسين مزاجه عندما قال له قرأت أمس في إحدي الصحف مناشدة لكم لتكريم فلان الفلاني وهو صديقي فرد عليه الكبير غاضباً بأنه قرأ كل ما كتبه عدد من زملائه عنه ومناشدتهم لنا لتكريمه وأورد حديثه أدناه بالدارجي (وتكريم بتاع شنو تكريم في عينو لان ده ومعاهو مهووسين آخرين زيو شابكننا في الجرايد فساد فساد قول ليهم فساد في عيونكم وصاحبك كان صديقه عطا المنان يذكره بالخير وكنت بقرأ ليه من زمن الجرايد كانت الصحافة والأيام بس وصحيفة القوات المسلحة الإسبوعية وقريت ليه كثير في عدد من الصحف وكنت معجب به ولم أكن راضياً عندما وصلني قبل سنوات تقرير علمت فيه بكسر يده في الجهاز ولكن أنا البفور دمي البهتان والظلم والحديث عن الفساد وأسألوا هو سرقو منو شنو عشان نرجعوا ليه وهو ذاتو ما عندو حاجة عشان يسرقوها منو). وقال لي صديقي الذي حكي لي كل ما دار ان الكبير هدأ بعد أن فرغ شحنة غضبه وقال له: (صاحبك ده لو شال ساهي زى جماعتو القاعدين يشيلو كان ريح نفسو وريحنا). وعادت للكبير روحه المرحة وعاد للونسة التي يحبها وينفس بها عن همومه واستطرد قائلاً: (يا جماعة البلد دي نحن ما ماسكنها بي ساهلة نحن شغالين نرضي ده ونسكت داك عشان كده دفعنا لمتمردين عشان يضعوا السلاح مقابل منحهم مالاً كثيراً ومواقع في السلطة ويوجد معارضون يشيلوا مننا ويشيلوا من الخارج وبعضهم مريح يريد المال والابهة المظهرية فقط وبعضهم يريد المال الكثير ويريد السلطة والقيادة وواحدين ألسنتهم طويلة يجيدون المدح لمن يدفع والذم لمن يمتنع عن الدفع ولذلك سكتّنا هذه الألسن الطويلة بالمال والاغراءات والأراضي واسقاط الديون المصرفية الهالكة وواحدين معارضين معارضة ناعمة نستميلهم بحل ديونهم المصرفية أو غيرها من الديون وواحدين نشعرهم باهميتهم وارضاء غرورهم بتسجيل زيارات اجتماعية لهم بدون مناسبة……الخ). وقال صديقي ان قريبه الكبير يغضب احياناً ولكنه يرضي بسرعة وضحك معه وهو يودعهم … ونعود للمضيف الذي ذكر لضيفه ان العالم الخارجي يدعم البحوث والدراسات وتوجد منظمات كثيرة تدعم مناشط عديدة في السودان وتدعم الكثيرين ودخل في تفاصيل كثيرة .. وذكر أن الإدارة الامريكية كانت تدعم المعارضة الممثلة في التجمع الوطني المعارض بملايين الدولارات سنوياً وتدعم منظمات المجتمع المدني وتنظم زيارات للخارج للكثيرين . والتقي الضيف والمضيف ثلاث مرات متوالية والجلسة الرابعة الأخيرة والنهائية كانت بعد اسبوع من الجلسة الثالثة . والمضيف مربوع القامة ولكنه اقرب للطول من القصر نشط في حركته ومرتب في ذهنه وكلامه وله نظرات ثاقبة ويتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة ورد بجواله علي عدة مكالمات وأدرك الضيف من أول وهلة في اللقاء الأول بحسه الأمني رغم أنه لم يعمل أو يتعاون مع الأمن أو الاستخبارات في يوم من الأيام ولن يفعل ذلك وادرك من أول وهلة أن مضيفه يعمل في مخابرات أجنبية أو يتعاون معها كمصدر من مصادرها أو مترجم وأعتبر الضيف أن في الجلوس مع مضيفه فرصة ذهبية للإلمام بمعلومات دقيقة عن هذا العالم الغريب المسمي بالمخابرات الأجنبية وللتمويه ذكر للمضيف من الواضح أنك أستاذ جامعي متخصص في العلوم السياسية أو الدراسات الاستراتيجية وانتشي المضيف ويبدو جلياً أنه يتصف بقدر وافر من السفيانية والخيلاء وقال له الضيف يا دكتور لقد نشر الصحفي محمد علي محمد صالح حلقات عديدة بصحيفة السوداني الغراء فيها مراسلات بين السفارة الأمريكية بالخرطوم ووزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن علي مدي أكثر من أربعة عقود من الزمان تعاقب فيها علي السفارة عدة سفراء وهي في مجملها رسائل ليست ذات قيمة وليست فيها معلومات مهمة أو تحليلات عميقة وهي سطحية وليست فيها اضافة واعتدل الدكتور في جلسته وقال لسائله ان التعامل مع المخابرات يأخذ شكلاً آخر وبامكان من يعمل فيها أن يرسل عبر الجوال رسالة طازجة ويبعثها صوتياً عبر جواله إلي واشنطن أو القاهرة أو كمبالا دون ان تكون هناك رقابة أمنية عليها من أي جهة وسأل الضيف ما هو موقف الامريكان يا دكتور من المشروع الحضاري والإسلام السياسي أجاب الدكتور بأنهم يهاجمونه في العلن ولكنهم في غاية السرور للممارسات التي يرصدونها ويتمنون تعميم التجربة في كل العالم الإسلامي ويبدون اهتماماً بالتقارير التي تأتيهم عن السلوكيات المنحرفة في عدد من الشوارع ذكر منها الدكتور علي سبيل المثال شارع عبيد ختف علي حد وصفه وذكر احد الشوارع الجانبية بحي العرضة قرب أحدي الجامعات وشارع النيل وكولمبيا والساحات والميادين التي تعج بعدد من الشباب من الجنسين وترد في تقاريرهم إن بعض الفتيات يتعاطين الشيشة جهاراً نهاراً وتتحدث تقاريرهم عن الخمور والدعارة السرية والمخدرات بأنواعها المختلفة وأخبار الحاويات التي تحملها ….. باختصار ان هذه التقارير تسرهم واراد الضيف ان يرد علي مضيفه بأن هذه نقاط سوداء في الثوب الابيض ولكنه آثر الصمت لئلا يصمد المضيف الذي خاض وافاض في اشياء كثيرة لا يتسع المجال لذكرها وتفصيلها . وفي النهاية طلب الدكتور المضيف من ضيفه ان يساعده في اعداد بحث ميداني يريد ان يعده بوصفه أكاديمياً واستاذاً جامعياً . وادخل يده في جيبه واخرج حزمة من الدولارات وقدم للنادل مائة دولار ليدفع منها ثمن كوبين من العصير ويأخذ الباقي والإشارة كانت واضحة – وطلب الضيف ان يكون اللقاء التالي بعد اسبوع وفي الوقت المتفق عليه وجد أن المضيف قد سبقه في الحضور وأصر الضيف ان تكون قيمة البارد والساخن عليه وقد فعل وأخذ يخاطب المضيف قائلاً يا أخ وأندهش المضيف لأن الدكتواره الزائفة التي منحت له في الشارع قد سحبها مانحها منه – وفي كلمات موجزة قال له يا خينا أنا إبن شيخ عرب رحمه الله كان من اثرياء المزارعين ويملك عدداً من الحواشات وقطعان الماشية وعشنا في رغد من العيش في طفولتنا وصبانا وشبابنا ولذلك فإن المال لا يمثل بالنسبة لي هاجساً وتستوي عندي قطعة الذهب وقطعة الحجر ومطالبي في الدنيا ليست كثيرة ولا احتاج لمنظمات أو مخابرات وكما قال الإمام الشافعي : إن عشت لن اعدم قوتاً وإن مت لن اعدم قبراً . وفي عهد الطفولة والصبا والشباب الباكر كنت عابداً متبتلاً وأسعي لأن اعود لما كنت عليه وامنيتي هي أن أختم حياتي مقيماً في المسجد النبوي لاتعبد فيه وأعمل كناساً متطوعاً متمنياً والرحيل عن الدنيا في تلك البقعة الطاهرة مجاوراً لسيدي وحبيبي خير البشر اجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وأنا أودع المضيف الوداع الأخير قدمت له مظروفاً فيه صفحة تحوى طرفاً من سيرته الذاتية بكل تفاصيلها وأي معلومة أريد الحصول عليها يمكن أن أصل إليها ولو كانت في جحر ضيق مع توظيف المعلومات للخير لا للشر . وفي تقديري ان العمل في الاستخبارات لدولة أجنبية فيه خيانة للوطن ودولارات امريكا كلها تحت حذائي مع الالتزام بان احفظ سرك … واخلص من الدرس الذي إستقيته بعد الجلوس مع هذا الجاسوس ان امريكا تتخذ من اعلان محاربة الإسلام السياسي مجرد غطاء وهي لا تعترف بوجوده اصلاً ولكن هدفها هو تقسيم السودان لخمس دول وتدرك أن لكل منها مقومات أن تكون دولة وهي تدرك أن هذا القطر القارة بامكانياته الضخمة وثرواته غير المستثمرة وبعقول بنيه وسواعدهم الفتية مؤهل أن يصبح مارداً اقتصادياً ودولة عظمي ولذلك ظلوا يعملون لاضعافه توطئة لتقسيمه.
ويا أهل قحت ويا أهل الجبهة الثورية والحركات المسلحة نرجو الا تتصارعوا عند اعادة تشكيل الحكومة ولا تحسبوا ان ارضاء امريكا يكون برفعكم لشعارات العلمانية وفصل الدين عن الدولة وهذا مجرد غطاء ومطلب جانبي بالنسبة لهم ويمكن ان تكافيء بعض الأفراد بالمال أو بوظائف في بعض المنظمات ولكن الوطن لن يستفيد شيئاً فلا تدفقوا ماءكم علي الرهاب وقد خدعت نظام الانقاذ قبلكم .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق