السودان: العيكورة يكتب: طاردتُه الدجاجة فدخل جامعة (هارفرد)

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)
قضيتُ ليلة أمس الأول سهراناً لمتابعة تخريج شقيقي الأصغر الدكتور الصيدلي عبد المنعم محمد علي مُتتبعاً ذلك عبر (اليوتيوب) في بث مُباشر لحفل تخرجه ضمن مجموعة دارسين كباحثين لثمانية أشهر ضمن ورشة دراسات عليا بجامعة (هارفرد) الأمريكية وتابعتُ أحد أساطين الجامعة يُحدث عن ما حوته الورشة بلغتهم فهمنا ما فهمنا منهم وجهلنا ما جهلنا من مصطلحات الطب والصيدلة قال لي شقيقي أن الذي كنا نُشاهده يتحدث حاصل على درجتي دُكتوراه وأربع شهادات ماجستير في علم الصيدلة! شرفنا (عبدو) بنجاحٍ وتفوق ولغة رصينة ونقاش ثر رأيت (الخواجات) يستمعُون إليه بإصغاءٍ وإعجاب كل هذا كنت أتابعه عبر (الموبايل).
حقيقة أحسست بطعم النجاح والفخر والاعتزاز وبطعم (العيكورة) والجزيرة والسودان لهذا الحضور المشرف. كنتُ أسترجع ذكريات ذلك الطفل عبد المنعم الحاصل على بكالوريوس الصيدلة من جامعة أم درمان الاسلامية والماجستير في الصيدلة السريرية من جامعة الخرطوم وحصل على شهادة (البورد) الأمريكي في العلاجيات من مجلس تخصصات الصيدلة الأمريكي وها هو بحمد الله يحصل على شهادة مبادئ وممارسة البحث السريرية من كلية الصحة العامة بجامعة هارفرد ورغم عمله (بالدوحة) وفارق التوقيت بين أمريكا والخليج من جهة فقد ظلّ يصل الليل بالنهار طيلة التسعة أشهر الماضية وكثيراً ما حدثني عن مُعاناته من الإرهاق والسهر.
تذكرت وأنا أحمله طفلاَ مع أمي (رحمة الله عليها) إلى (مدنى) لنعرضه على الطبيب ندثرهُ (ببشكير) إتقاءاً لحرارة الشمس أتناوب حمله على كتفي معها. تذكرتُ ذات مرة وقد أدخلناه أستديو (الشواف) بمدني نلتقط له الصور ونوثق لبراءة الطفولة وكأنها بالأمس القريب وهو ذات الطفل الذي أقسمت عليّ أمي أن أدفن (سُرته) بفناء مدرسة حنتوب تيمناً منها بقداسة العلم.
تذكرت السروال و(t- shirt) التي كان يلعب بهما داخل الحوش والفريق. تبسمت من غير أن أشعر وأنا مُستلقٍ على السرير بعد إعلان النتيجة وكاد صوتي أن يرتفع مُقهقهاً وأنا أطوي هذا السفر الرائع من الذكريات عندما تذكرته مُهرولاً ذات يومٍ مذعُوراً تُطاردهُ دجاجة لأمي من داخل (تُكل العُواسة) حين تطفل للعبث بصغارها فمنظره جارياً جاحظ العينين لم يُفارق مخيلتي. فمبروك (لعبدو) وهو طفلُ تطارده الدجاجة ومبروك له وهو يترك بصمة وعلم في مجال البحوث والصيدلة السريرية ومبروك له وللقرية وللوطن وهو القروي أباً عن جد يُجادل بعلم وفهم عبر الأثير (عتاولة) الصيدلة المتميزين حول العالم وبلغتهم الأعجمية عبر جامعة (هارفرد) وما أدراك ما (هارفرد) وفي ذات الوقت يعتد بموطنه وأهله وقريته ولم يجهل  الويكة والويكاب ولا يرضى الخمج. ويُنزّلُ عليك علمه في ثنايا الحديث كماء السقاء المنساب في بساطته ولسُهولة فهمه تحسُ معها أنه لم يقرأ شيئاً ذي بال فإن حدثك عن الأطعمة والخضروات والأعشاب وعلاقتها بالصحة تذهل من حديث العارف بخبايا العلم وتواضع المفردات. ومقتنع حدّ اليقين أن ليس كل ما يقوله (الخواجات) صحيح وأن أي (كلام) عن الأدوية واللقاحات لم تسبقه دراسات وتجارب ومدة لا تقل عن خمسة عشر عاماً بين الاكتشاف والتسويق هو إبتزاز وأكل لأموال الناس بالباطل ومقتنع تماماً أن النظام الصحي بالسودان (ماشي بالبركة) حتى وهو في أيام عافيته ويحدثك مُستاءً عن سوء بيئة العمل التي يعيشُها الحقل الطبي بمستشفى (ود مدني) ويحدثك بفخر عن (البروفيسور) عثمان خلف الله الذي عمل معه وعن قامات الطب بالجزيرة والسودان فمبروك أخي (عبدو) فقد أعدت شيئاً من الأمل في النفوس أن المال والإغتراب يجب أن لا يكونا نهاية المطاف ومُنتهى الطُموح بل يجب تسخيرهما للمزيد من العلم والبحوث.
رحم الله (أبي) فلم يكن يهمه شيئاً من الدنيا سوى العلم ورحم الله (أمي) فقد كانت للأوراق المنسية في جيوبنا قُدسية في حياتها رغم أميتها تنشر لنا ما يبتلُ منها بالماء عند غسيل الملابس فلعل بها من العلم والمعرفة ما يجب أن لا نفقده.
قبل ما أنسى: ـــ
تعلّم فليس المرءُ يُولدُ عالماً            وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلٌ
وإن كبير القوم لا علم عندهُ              صغيرٌ إذا التفّت عليه الجحافلُ
وإن صغير القوم وإن كان عالماً           كبيرٌ إذا رُدّت اليه المحافلُ
(رحم الله الامام الشافعي)

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق