السودان: سليمان الماحي يكتب: القرية وظلم الدولة

هي قرية صغيرة في حجمها وعدد سكانها ..(الغابة) هو اسمها الذي استمدته من مجموعة  أشجار شوكية  كثيفة كانت تفصلها عن جهة النيل  قبل أن تمتد إليها معاول القطع والحفر وازالتها من جزورها  لفائدة  التوسع في المشاريع الزراعية ..  بينما اتخذت القرية لها مكانا قصيا يبعدها  بضع كيلومترات عن شارع الأسفلت الرئيسي  الذي يربط ولاية  الجزيرة مع العاصمة الخرطوم.
وبالمنظور البيئي يعد ذلك البعد المكاني عن شارع الأسفلت  نعمة  لكونه  يوفر  الحماية لسكان القرية من الأضرار ذات الانعكاسات السيئة  على صحتهم والناجمة عن ضجيج حركة الشاحنات وأبواقها ودخان العوادم ويضاف الى ذلك الحوادث المرورية المحتملة لكن في المقابل ينقلب البعد المكاني ذاته الى نقمة عندما يتعلق الأمر برغبة الناس في الانتقال من مكان الى اخر بيد أن المتفائلين لهم رأي آخر هو ان (المشوار) الى شارع الأسفلت مشيا على الأقدام  يعد رياضة اجبارية من شأنها منح أجسام أهالي  قرية (الغابة)  منافع صحية تمكنهم من مقاومة الأمراض المزمنة.
القرية التي كانت امنة من قبل هي الآن لم تكن كذلك فالمشاريع المجاورة لها تلوث بيئتها برائحة نتنة تضاف إلى معاناة ظلم الخدمات  التي تعكس غياب الدولة تماما عن القرى التي يشتكي أهلها بصوت مسموع من هموم الغلاء وانعدام ضروريات الحياة المعيشية و الجوع  والأمراض الفتاكة وانعدام الأدوية  أما المرافق الخدمية  الموجودة  حاليا فقد أنشئت بجهد السكان الذين  تنهكهم  فلاحة حقولهم اعتمادا على سواعدهم بغية  توفير احتياجات أسرهم الغذائية والمادية ويعززون جهودهم تلك  بتربية رأس حلوب من الماعز أو البقر وحمار لزوم المواصلات .
ونتيجة لانعدام التيار  الكهربائي في القرية كحال كثير من المناطق   يلفها  الظلام الدامس مساء  ولكن القرية تنشط  عند  غروب الشمس  حيث يلفها ضجيج  يتشكل  من أصوات  الحيوانات . في البدء ينطلق ثغاء الأغنام القادمة من مراعيها متلهفة  للقاء صغارها على مشارف القرية  وفي نفس الوقت تنهق الحمير  فرحة بانتهاء يوم  عمل مرهق  فتزيد الضجيج أصواتا منكرة  ومن جانبها  تستجيب  الكلاب  بالنباح المستمر  و من برك مياه الأمطار الراكدة ينبعث  نقيق  الضفادع وتجد زقزقة العصافير العائدة   لأعشاشها في أشجار النيم متسعا لها في الضجيج وكما هي الحال يتكاثر طنين البعوض  الناقل للملاريا الى  جوار العناقريب حيث ينام أفراد الأسرة الذين يلجأون لتجنب ذلك بمسح  أجسامهم  بزيت السمسم والنوم في الناموسيات لكنها محاولات في الغالب لا مجدية.
ومن المفيد جدا للقرية بأن يكون الاهتمام الرسمي منصبا على المشاريع الأسرية  مثل الزراعية والثروة الحيوانية ورعايتها بالخطط الهادفة لتطويرها ودعمها بالامكانات المادية والعينية لأن من شأن تلك المشاريع ان تكون عاملا مساهما بقوة في تحقيق الاكتفاء الذاتي للأسرة وأيضا في ذات الوقت  تكون داعما قويا للأمن الغذائي وبالنظر الى توفر  الإمكانات الطبيعية وخبرات السكان نجد القرى مؤهلة  لتحقيق إنجازات مهمة في هذا المجال.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق