السودان: بروفيسور عارف الركابي يكتب: لنضبط العاطفة بالعلم في نصرة من أوتي جوامع الكلم

الإساءة إلى رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام لم تتوقف منذ أن بُعث ، ولن تتوقف ، ومعاداته بدأت من يوم أن جهر بالدعوة إلى عبادة الله تعالى ، وقيل له : تباً لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا ؟! واستمر العداء طيلة فترة العهد المكي ، وقيلت في حقه ألفاظ سيئة وألصقت به التُّهَم، وماذا بعد قول الكفار عنه : شاعر وكاهن وساحر ومجنون ؟!
وبلغ المكر غايته لما فكروا في قتله يوم الهجرة عندما تجمع الكفار بمختلف معتقداتهم ، قال الله تعالى : (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) .. وجاءت قريش في بدر ، وفي أحد ، واجتمع المشركون مع اليهود في غزوة الخندق ، ومكرت قريش في الحديبية ، وعقدت الصلح القاسي البنود على المسلمين وقد كان هو الطريق للفتح العظيم ؛ فتح مكة ..
وحاول اليهود إطفاء النور الذي بعث به محمد خير من وطئ الثرى بعمل السحر له ، وعصمه الله منه ، ووضعت له يهودية يوم خيبر سُمّاً في لحم لقتله غيظاً وحقداً وحسداً ، وقد كُسِرَت رباعيتُه وكسرت ترقوته وأُدمي في سبيل الله في يوم أحد ، ولن يتوقف الكيد والإساءات من خَلَفِ وأتباع هؤلاء الكفرة .. (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء..) ، .. فالدين الذي أرسل به عليه الصلاة والسلام ينتشر ويزداد انتشاره بمرور الأيام ، وسيرته في بلاد الكفار – في عقر دارهم – تذكر ، بل ما من مدينة أو بلدة صغيرة إلا وبها أذان وإقامة وصلاة ، وفيها يذكر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا ما لم يظفر بعشر معشاره أي مخلوق في هذه الدنيا مهما بلغت مكانته وكبرت إنجازاته ، وهو مصداق قول الله تعالى : (ورفعنا لك ذكرك) ..
ورضي الله عن حسان بن ثابت الذي قال:
وقد ضم الإله اسم النبي إلى اسمه**
إذا قال في الخمس المؤذنُ أشهدُ
وكلما رأى الكفار انتشار الإسلام وطمأنينة المسلمين بدينهم وحبهم له ، ووضوح عقيدتهم ، واجتماعهم في الصلوات وفي الطواف في البيت وفي الحج على عبادات واحدة وعلى كتاب واحد ازداد غيظهم وأخرجوا عداوتهم (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر).
وإن إنكار الإساءة التي يقوم بها الكفار ويظهرونها بين الحين والآخر هو من الواجب على المسلم والمسلمة ممن يبلغه ذلك ؛ وأدناه الإنكار بالقلب ، فإن إنكار هذا المنكر العظيم واجب على كل من بلغه من المسلمين ، فهذه الإساءة من أعظم المنكرات ، وفيها من الأذية للمؤمنين والإساءة إليهم ، بعد الإساءة لدينهم ونبيهم ..
فمن يستطيع الإنكار بالكتابة والرد عليهم وتفنيد شبهاتهم وبيان صفات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وهديه وبيان الباطل الذي هم عليه .. فعليه ذلك ، وهذا من واجب العلماء والدعاة ، يقومون بذلك كتابة وخطابة وتدريساً.
وعلى ولاة أمور المسلمين وحكامهم مخاطبة حكام هؤلاء الكفار وإنكار هذه الأفعال المسيئة ، وتذكيرهم بما يتبجحون به – كذباً وزوراً – من دعاوى رعاية حقوق الإنسان .. ويطالبونهم بالاعتذار الواضح ، ومحاكمة من فعل ذلك على الملأ وجعلهم عبرة لغيرهم ، وعلى عامة الناس إنكار ذلك بألسنتهم وقلوبهم وبأفواههم فيما بينهم ، والإفادة مما يقع من الكفار في جناب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ــ رغم مرارته ــ الإفادة منه في تعليم المسلمين سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه ، وفي قراءة التأريخ واستعراض المحاولات اليائسة التي قام بها الكفار – منذ بعثته – للنيْل منه وقتله والإساءة إليه عليه الصلاة والسلام.
إن أبلغ رسالة يُرد بها على الكفار في إساءتهم لجناب النبي الكريم حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام هي العودة والرجوع والتمسك بسنته والاهتداء بهديه ، إن هذا هو الذي يغيظ الكفار ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ : (مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى قَوْلِ آمِينَ ، فَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ آمِينَ) رواه البخاري ، وهذا مثال ونموذج للجوانب التي تغيظهم من أعمالنا ، ويحسدوننا بسببها.. وما أكثرها !!
أما الهجوم على السفارات وحرقها والاعتداء أو قتل الموظفين الذين يعملون فيها ، وقد دخلوا إلى بلاد المسلمين بأمان للقيام بوظائف محددة وافقت عليها حكومات بلاد المسلمين .. إن فعل ذلك هو مخالفة واضحة لما دعا إليه النبي محمد عليه الصلاة والسلام ووجه أمته إليه ، فهو حرام لا يجوز وله مفاسد أضرارها لا تخفى ، ومهما بلغت إساءات الكفار من الغربيين أو غيرهم من أمم الكفر على المسلمين ؛ فإن ذلك لا يبرر ما يقوم به بعض المتظاهرين في بعض البلدان من اعتداءات على السفارات ونحوها.
إن نصرتنا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام يجب أن تكون بـــ (علم) ، فلا بد أن يقودها العلم ويوجهها الهدي النبوي ، لا توجهها العاطفة المجردة عن العلم ، والتي لم تضبط بما وردت به النصوص الشرعية من الكتاب والسنة ، وقد قال النَّبِيِّ محمد صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) : (المراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من السلطان أو أمان منه).
وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ : (مَنْ أَمِنَ رَجُلاً عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ , فَإِنَّهُ يَحْمِلُ لِوَاءَ غَدْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني.
وقد نقل ابن عبد البر المالكي الإجماع على ذلك في كتابه (الاستذكار). وهذا يعني أن هذه المسالة مما اتفق عليه علماء الإسلام ، وذلك لوضوح الأدلة الواردة في شأنها ، وقصة إجارة أم هانئ بنت أبي طالب في صحيح البخاري واضحة في هذا الأمر حيث أجارت يوم الفتح كافراً وأراد أخوها علي رضي الله عنه قتله فقال النبي عليه الصلاة والسلام لها : (قد أجرنا من أجرتِ).
لننصر نبينا من أوتي جوامع الكلم بالعلم والبصيرة ، بتعلم هديه ونشر سنته ، والتعريف بالعقيدة التي دعا إليها وبأخلاقه وآدابه ورحمته ، ولننصره بالدعوة إلى الرجوع لسنته وشريعته .. هذه هي النصرة وهذه هي لوازم المحبة ، فالمحبة تعني الاتباع ، والطاعة ، واقتفاء الأثر ، والاقتداء به ، عليه الصلاة والسلام ، أما أن يعبر بعض المسلمين بهتافات يرددونها في سويعات ويحرقون ويعتدون على ما لا يجوز الاعتداء عليه ، ثم هم في نفس الوقت يجهرون بمخالفته بأقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم ، بل ويقلد بعضهم الكفار في (ما اختصوا به) ؛ فإنه شيء مؤسف حقاً !! ما أكثر شباب المسلمين الذي يحبون بعض الكفار ويقلدونهم في أمور كثيرة هي (مما اختصوا به) ويتشبهون بهم فيها ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني. وما أكثر الفتيات اللائي يقلدن الكافرات في لباسهن وبعض أعمالهن السيئة ، وما أكثر المسلمين الذين يحتفلون بأعياد خاصة بالكفار، وهي مما يشكل عليهم في صدق نصرتهم لنبيهم محمد عليه الصلاة والسلام.
على العلماء والدعاة وطلاب العلم ووسائل الإعلام الاهتمام ببيان الوسائل الشرعية لإنكار إساءات الكفار لديننا ونبينا عليه الصلاة والسلام .. والعناية ببيان الطرق الصحيحة (النافعة والمجدية) لنصرة الحبيب المصطفى ، فلينشروا العلم الشرعي الذي (تضبط به العواطف) ، فإن العاطفة غير المنضبطة بالشرع تؤول إلى أن تكون (عاصفة) .. ومما يجب العناية به في ذلك : دراسة نصرة الصحابة الكرام للنبي الكريم ودينه ومنهجهم في ذلك.. فقد نصروه بالمال والأنفس وبكل ما يملكونه من جهد ووقت ، فقدموا له كل ما يملكونه واستقاموا على دينه وسنته ، وبلّغوا شريعته المدن والقرى والأمصار وساروا لما وراء الأنهار والبحار وقطعوا الفيافي والقفار .. فنعم القدوة هم ، ومن كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة.
نسأل الله تعالى أن يجعل كيد الكفار في نحورهم ويكفي المسلمين شرورهم ، ويرينا فيهم ما تقر به عيون أهل الإيمان.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق