أسـعار الوقود.. هل تتاجر الحكومة باحتياجات المواطن؟

الخرطوم: القسم الاقتصادي
مازال ثقافة تسريب خطابات تحرير الوقود مقرونة بالأسعار الجديدة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتت التكهنات بأسعار الوقود مادة دسمة لمرتادي هذه الوسائط، وبالرغم من أن وزارة الطاقة والتعدين قطعت الشك لدى المواطنين والكل باليقين بإعلانها ان امر تحرير الوقود من الدعم أصبح أمراً واقعاً وليس تسريبات، وان القرار تم سلفاً الإعلان عنه من قبل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الا أن مسألة تحديد السعر ظلت محور الاجتماعات لدى المسؤولين بالدولة، الا أن مصدراً مطلعاً بوزارة الطاقة أكد زيادة أسعار الوقود وصحة ما تم تداوله أمس عن سعر المنتجات البترولية في محطات الخدمة بالخرطوم، وقال لـ (الإنتباهة) ان سعر اللتر للجازولين الحر حدد بواقع 106 جنيهات، اي بـ 477 جنيهاً للجالون، 21185 جنيهاً للبرميل، وبلغ سعر الجازولين التجاري المدعوم 46 جنيهاً للتر، و207 جنيهات للجالون، و9108 جنيهات للبرميل، وارتفع لتر البنزين الحر 120 من الى250 جنيهاً للجالون و23760 جنيهاً للبرميل، بينما بلغ التجاري المدعوم 56 جنيهاً جنيه للتر، و250 جنيهاً للجالون، و11088 جنيهاً للبرميل. وأبان ان قطاع الكهرباء والنقل والزراعة يعامل بالوقود التجاري المدعوم، ومعلناً عن اكتمال تفريغ باخرة بنزين تحمل ٣٨ الف طن، والشروع اليوم في تفريغ باخرة جازولين تحمل ٤٠ الف طن، لافتاً الى ان ١٢ شركة سوف تعمل في الوقود الحر و ٢٢ شركة في التجاري المدعوم.
مقارنة ومقاربة
وعند تحديد الحكومة لهذه الاسعار كان لا بد لنا ان نقارن ونقارب بين السعر العالمي للوقود والسعر الجديد للمحروقات، وتشير الأسعار الى ان سعر البرميل لكل من الجازولين الخليجي يبلغ 42 دولاراً والبنزين 43 دولاراً، وبمقارنة بسيطة بين السعر العالمي والحر المعلن فإن (البرميل يساوي 44 جالوناً) وسيبلغ سعر البرميل من الجازولين الذي يحتوي على 44 جالوناً بالسعر الحر للدولار البالغ 225 جنيهاً (سعر اليوم) امس في السوق الموازي 9900 جنيه، بينما أعلنت الوزارة سعر البرميل بواقع 21186 جنيهاً اي بزيادة اكثر من 100%، ووسعر الجالون دولار، بينما أعلنت الوزارة سعره 481 جنيهاً اي ما يعادل (2.13) دولاراً.
اما البنزين فيبلغ سعر البرميل بالسعر العالمي 9675 جنيهاً باعتبار أن سعره عالميا 43 دولاراً، بينما أعلنت الوزارة ان برميل البنزين بـ 23760 جنيهاً، ويقدر سعر الجالون بسعر الدولار في السوق الموازي بواقع 220 جنيهاً، بينما أعلنت الوزارة سعره بـ 540 جنيهاً بزيادة تزيد عن الـ150% او نحو (2.4) دولارات بسعر السوق الموازي.
ويؤكد الخبير في اقتصاديات التعدين د. ياسر عبيد ان غياب الرؤية والموازنة الدقيقة منذ بداية العام خلقت ارتباكاً عالياً جداً، وتساءل عن مرجعية قياس السعر هل السعر الموازي ام الرسمي، وأضاف انه حالياً ان مرجعية الحكومة السوق الموازي، مؤكداً ان هنالك تعويماً لسعر الصرف في ما يتعلق الوقود، لافتاً الى أن سعر البرميل الخام عالمياً بمتوسط 65 دولاراً بمعادل محلياً ثلاثة آلاف جنيه وبالسعر الرسمي 13 الف جنيه.
كارثة كبيرة
الخبير في مجال الكهرباء محمد وداعة أكد ان زيادة الوقود تؤثر في جميع القطاعات وليس الكهرباء فقط، وقال لـ (الإنتباهة) انها تؤثر في جميع الخدمات والسلع الاستهلاكية، لجهة ان الجازولين والبنزين عماد الحركة في ظل انحسار نفوذ السكة حديد والنقل النهري، وبات النقل البري الناقل الرئيس للبضائع، وأضاف أن اية زيادة في المحروقات تنعكس تماماً على تكلفة الترحيل، وتوقع ان تنعكس الزيادات على جميع مناحي الحياة.
وأوضح أن الزيادة في تكلفة الكهرباء امر مختلف، حيث تحسب تكلفتها بطريقة مختلفة، وتوقع الا تطبق الزيادة في القطاع الكهربائي لجهة انها تسبب اختناقاً في جميع القطاعات، وقال: (سوف تطبق فقط الا إذا كانوا عديمي الإحساس)، وزاد قائلاً: (لا أتوقع لو الحكومة عاقلة تزيد الكهرباء)، لافتاً الى أن القطاع المستفيد من الكهرباء غير واسع الا أن الكهرباء تؤثر في الإنتاج الصناعي، وتابع قائلاً: (ان الزيادة سوف تؤثر حتى إذا كانت جنيهاً، لذلك إذا تمت الزيادة سوف تكون كارثة كبيرة جداً على المواطن والخدمات والقطاعات الإنتاجية، وسوف تعمل على زيادة الاسعار المصطنعة).
تأثير أقل
ويعد قطاع الصناعة من القطاعات التي تأثرت كثيراً من عدم توفر الوقود، وظل لفترات طويلة يتعامل مع السعر التجاري بالسوق الأسود. وهذا ما أكده نائب رئيس لجنة تسيير اتحاد الغرف الصناعية أشرف صلاح نور الدين قائلاً إن الوقود أحد مدخلات الإنتاج الأساسية في الصناعة، وأثره ينعكس على المنتجات الصناعية بشكل كبير، وأكد في حديثة لـ (الانتباهة) ان قطاع الصناعة في الفترة السابقة لعدم توفر الوقود المدعوم او التجاري المدعوم كان يلجأ للشراء لتغطية احتياجاته، خاصة ان حاجته كبيرة وضخمة باستهلاك عالٍ مما يصعب وقف العربات في الطلمبات، ولذلك كانت تلجأ معظم المصانع مثل المواد الغذائية التي تستعمل ٣٠٠ برميل في الشهر لشراء الوقود الحر في حدود ٢٢ الف جنيه للبرميل عبر شركات، ويتم الاستلام من منطقة قري، مؤكداً ان ٩٠% من الوقود تم توفيره خلال الفترة السابقة من الوقود الحر. وأضاف أن الوقود التجاري كان يصعب الحصول عليه، وبالتالي يلجأون الى السوق الحر لجهة ان الصناعة لا تتحمل الانتظار والندرة، ولذلك يتم شراء الوقود الحر، وكل المنتجات يتم تحديدها على هذا الوقود، وجزم قائلاً: (اتجاه الحكومة لتقنين هذه المسألة وتوفيره في محطات الوقود هذا الأمر اثره ايجابي، ويعمل على تقريب المسافة بدلاً من الشراء من قري)، ودمغ بالقول: (إن الاسعار التي ظهرت اذا كانت صحيحة فهي بالنسبة للصناعة اقل من السابق بواقع ٢١ الف جنيه اقل مما كان يباع في السوق الأسود بواقع ٢٢ ألف جنيه، وغير متوفر لصعوبة توفره، خاصة انه كان متوفراً في ايدي المضاربين والسماسرة.
ولذلك اصبح الجاز لديه سعران، السعر الحر ٢١ الف جنيه للبرميل والتجاري المدعوم ٩ آلاف جنيه، وحتى الآن لم يحدد للصناعة اي سعر، وحال تم تحديد سعر بالنسبة للقطاع الصناعي فهو يعني  الوفرة لانه لا يتحمل التأخير لان توقفه يتسبب في خسائر ضخمة بسبب الوقود)، وقال: (بالتأكيد حال تم تخصيص اسعار للصناعة فإن الأثر ينعكس ايجاباً على السلع، ويمكن أن تنخفض أسعارها بنسب معينة حال أصبح الوقود متوفراً وبالسعر التجاري الحر، لجهة أن الصناعة كانت تستخدم الوقود الحر), واكد ان الاسعار الجديدة ليست ذات اثر كبير.
القطاع الزراعي
وبالرغم من الجدل حول الزيادة فإن القطاع الزراعي لا يفرق معه مدعوم او غيره، لجهة أنه يعاني في الحصول عليه بأي سعر، واكد عضو مجلس ادارة مشروع الجزيرة حافظ العليقي على دعم الوقود الزراعي، واشار الى ان وزارة الزراعة وعدت المزارعين برفع حصة الوقود من ٣٠ الف جالون الى ٤٠ الف جالون في اليوم.
واضاف بأن الـ٤٠ الف جالون غير كافية، الامر الذي ادى الى مقابلة عدد من المزارعين محافظ مشروع الجزيرة عمر محمد للتشاور مع وزارة الطاقة والتعدين لزيادة الحصة، الا انه تساءل قائلاً: (هل الكميات المطروحة كافية لتغطية المساحات المستهدفة زراعتها، وهل يتم تحضيرها في الوقت المناسب، لجهة ان الزراعة مرتبطة بوقت محدد ولا تحتمل الانتظار، وان اي تأخير سيؤثر سلباً على الموسم؟).
توفير كميات
وفي المقابل طالب رئيس القسم الاوسط بالمشروع المزارع كمال حريز بتوفير الكميات المطلوبة من الوقود، ونبه الى ان الزراعة مواقيت وتأخر اليوم الواحد يؤثر على الزراعة، ولفت الى انه لم تصل اية كميات من الوقود منذ ٢٠/ اكتوبر الجاري. وشكا حريز من ضعف كميات الوقود مقارنة بالمساحات الزراعية ومن عدم وصول الكميات المطلوبة من الوقود. ومن جانبه قال المزارع عزت صديق ان هناك شحاً كبيراً في الوقود ادى الى اتجاه عدد كبير من المزارعين لشراء الوقود التجاري الذي يصل سعر ٤ جالونات منه الى ٣.٠٠٠ جنيه، والى ذلك لفت مدير قسم معتوق عوض سيد عكاشة الى انسياب الوقود المدعوم بشكل جيد، واوضح أنه يتم توزيعه عبر آلية دورات للباشمفتشين، مؤكداً بأنهم وصلوا لتوزيع حصة ٥ آلاف جالون بنزين لخمسة مكاتب من اصل ٨ مكاتب بقسم معتوق.
تعرفة مواصلات جديدة
ولجهة أن قطاع النقل من أكثر القطاعات تأثراً بالزيادة، فقد اكدت إدارة النقل العام والمواصلات بولاية الخرطوم أن أية زيادة في أسعار المحروقات ستؤدي لارتفاع تعرفة المواصلات للضعف. وقال الشاذلي يعقوب لـ (الإنتباهة) ان هناك بطاقات دفع مقدم ذكية فكيف سيتم التعامل معها، وهل سيتم منحها للمركبات بالسعر القديم ام بالجديد وماهي المحطات التي ستغذي مركبات الولاية؟ وأكد الشاذلي انه في حال تم تطبيق التحرير فإن أسعار التعرفة سترتفع للضعف، لافتاً إلى أن جرد المحطات تمهيد لرفع الدعم وحتى تسحب المركبات ارصدتها. وأشار إلى أن الوقود عبر البطاقة الذكية متوفر ولكن مازالت الإشكالية في الكروت الورقية، وتوقع الشاذلي أن تبقي الحكومة على دعم النقل والمواصلات وبقية القطاعات الأخرى تحرر، وذكر في ذات الأثناء أن التحرير سيصب في اتجاه توفير الوقود للقطاعات الحيوية بشكل عام، ونبه في ذات السياق الى أن التحرير سيؤدي إلى ارتفاع قيمة السلع بسبب ارتفاع سعر النقل.
وحذر من تداعيات تحرير الوقود على قطاع المواصلات الداخلية بالولاية، في ظل فشل كل الترتيبات لوضع تعرفة لخطوط المواصلات بالولاية، عقب الفشل في التوصل لاتفاق حول التعرفة مع جهات الاختصاص.
موقف صعب
وقال إن عدم توفر الوقود في المحطات أكبر عائق لعدم الوصول إلى وضع وتحديد تعرفة مجزية للمواصلات، وأضاف قائلاً: (عقدنا عدة اجتماعات مع الولاية ولم نصل حتى الآن إلى اتفاق يُرضي الأطراف كافة). ووصف موقف الوقود بالصعب لجهة أن أصحاب الحافلات يقضون أياماً للحصول على وقود ومنهم من يلجأ إلى السوق السوداء، داعياً المسؤولين إلى تخصيص يوم في الأسبوع للوقوف ميدانياً على معاناة المواطنين في الحصول على الوقود ، وعزا تأخر صدور تعرفة المواصلات لعجز الدولة عن توفير الوقود، واردف قائلاً: (ما لم يتوفر الوقود في المحطات ستظل التعرفة معلقة).
تحدي الشارع
ويشدد عضو المجلس المركزي بقوى الحرية والتغيير د. شوقي عزمي على عدم إجازة رفع أي دعم، وقال لـ (الإنتباهة): (في حال حدث ذلك سوف يكون تحدياً واضحاً وصريحاً لرغبات الشارع وقوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة)، مشيراً الى اطلاعهم في وسائل التواصل الاجتماعي على خبر رفع الدعم، الا أنه لا توجد جهة تناقشت مع اللجنة او طرحت عليها ذلك، وقال إن مثل هذه الأخبار تطلق لقياس النبض لا أكثر، لافتاً الى تعديل موازنة ٣٠ أغسطس وان وزير المالية ستقوم برفع الدعم وتحرير الدولار الجمركي، وتم رفض هذا التعديل من قبل اللجنة الاقتصادية والمجلس المركزي بقحت، وطالبوا بتجميد الميزانية، وايضاً فإن المؤتمر الاقتصادي رفض رفع الدعم، وطالب بإجراءات اقتصادية متمثلة في وجود احتياطي نقدي بالبنك المركزي، والتحكم في سعر الصرف والسيطرة على الموارد خارج ولاية المالية.
مشكلة جدلية
ورفع الدعم بحسب الخبير في اقتصاديات التعدين د. ياسر محمد العبيد بات مشكلة جدلية، حيث ظل هنالك تياران قويان في هذا الأمر، تيار حكومي يدعم رفع الدعم وتيار عكسه متمثل في الحاضنة السياسية يرفض ذلك، لافتاً الى حدوث عقم في منهج التفكير والحل نفسه ادى لظهور شائعات تبدو أنها خارجة من مؤسسات رسمية برفع الدعم كلياً عن المحروقات، بالرغم من عدم وجود دعم حقيقي، مشيراً الى ان الدعم الحالي عبارة عن فروقات في السعر الرسمي والسعر الموازي، ففارق السعر سمي دعماً، وأضاف ان السعر العالمي للوقود أقل من السعر الذي حددته الدولة، مما ألقى بظلاله على كثير من القطاعات الاقتصادية والتجارية، وبالتالي صعود معدلات التضخم لأربعة ارقام في مرحلة قادمة، وقال ان رفع الدعم سوف يؤثر في القطاعات الاقتصادية وتوقف العملية الإصلاحية للاقتصاد، مؤكداً ان الدعم ليس الأزمة الحقيقية في الاقتصاد وإنما غياب الرؤية ومركز التفكير، وقال إن المواطن ضحية للأمر، فالثورة قامت من اجل توفير الخدمات، وطالب بوضع سياسات رشيدة نحو العملية الإنتاجية لزيادة الصادر، لافتاً الى أن وزارة الطاقة ليست الجهة المخول لها بالتصديق على أسعار الوقود، وإنما هي مؤسسة فنية تحدد المواصفات والمقاييس في الخام والمنتج والوقود المستورد من الخارج .
الوقود في مناطق التعدين
وأكد تاجر في مناطق التعدين ان سعر برميل البنزين لأكثر من شهر يباع بواقع ٩٥ مليون جنيه، والجاز يتم تسليمه بسعر ٢٢ الف جنيه ويباع باكثر من ٢٧ الف جنيه، مؤكداً انه بعد تحرير سعر الوقود سوف تزيد الأسعار الى أكثر مما كانت عليه، وبالتالي فإن الأثر سيكون سلبياً على ترحيل ونقل جولات الحجر، وقال ان معظم التجار في سوق الذهب يشترون الوقود من السوق الأسود.
وضع كارثي
ووصف عضو اللجنة المركزية بالحرية والتغيير محمد نور كرم الله كركساوي تحرير الوقود بانه كارثي في الوقت الراهن، وأضاف انه كان لا بد أن تتبعه إصلاحات اقتصادية ومالية قبل رفع الدعم، وأضاف قائلاً: (بالتأكيد أثره غير حميد لجهة ان خلق طبقتين من الاسعار من شأنه أن يؤدي الى نوع من الفساد، لأن المدعوم التجاري سوف يتهرب الى التجاري، وبالتالي من الصعب عمل كنترول)، وأضاف أن الأجهزة الرقابية بالدولة ضعيفة ولا تؤدي دورها كما يجب. وقال متسائلاً: (لمن يذهب المدعوم التجاري؟ واذا كان للقطاع الزراعي وقطاع المواصلات فإنه سوف يتم تهريبه أيضاً ويتحول الى تجاري، وهذه مرحلة وبعدها سيكون أيضا تجارياً، وهكذا تبقى الحلقة مفرغة وكل مرة تحدث زيادة). وأشار إلى أن اللجنة الاقتصادية قدمت مقترحات وتوصيات حقيقية بأن يتم خفض الإنفاق الحكومي، مما يحدث أثراً إيجابياً على سعر الصرف ويخفص التضخم، وبالتالي الدولة لن تكون في حاجة إلى دعم مستقبلاً .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق