الســــودانــي الخفـــي.. أيــن نجـــــده؟

على غرار كتاب مروان بشارة  شقيق عزمي بشارة «العربي الخفي»، عن ثورات الربيع العربي وأهميتها ومساراتها واحتمال انحرافاتها، تبدو قصة السوداني الخفي، نحتاج نحن بعد سنوات طويلة من حكم الإنقاذ وتجربتها في السودان إعادة تشخيص واقعنا وقراءة مآلاتنا ومعرفة فرص النظر نحو مستقبل آمن لبلدنا وللأجيال التي تعقبنا على أرضه وترابه، وكنّا نظن أن ذروة الوعي السياسي والاجتماعي هو تحقيق حلم الكثيرين من أهل السودان في البناء والنهضة التنمية والعدالة الاجتماعية وسيادة حكم القانون وتكافوء الفرص في تقوية الوجدان القومي.
وعادة ما تكون الثورات عبارة عن أحلام كبيرة وشعارات قوية وخطاب لاهب، ثم تبدأ تحديات الواقع والظرف الزماني والمكاني بكل تبعاته يحيط بكل شيء، ولا تلبث أن تتداعى الأشياء إما متقدمة نحو غاياتها أو منحدرة إلى القاع!.
ولا تبدو لغة السياسة اليوم عند كل الفرقاء السياسيين من أحزاب حاكمة وأخرى معارضة، تتقارب من تلك البؤرة النابضة بالأمل والمشرقة بالحياة، فقد انحدرت السياسة في بلدنا إلى غيابت جبٍّ عميق في مضامينها وتجلياتها وفي أطرها المختلفة، ولم يعد هناك من ضير في اقتفاء أثر هذا الانحدار العمودي إلى أسفل ومعرفة أسبابه. ومتابعة السياسة اليومية بكل هذيانها ودجلها وسقوطها عند سفح المطامع ، مذمومة الخُلق والخَلق، لا تعطي المتابع أية بارقة في أن وطننا يمكنه أن يتعافى بسهولة وسرعة من أمراضها العضال وأسقامها الثقال ..!
لقد صارت الجهويات والعنصريات والتستر والتخندق وراء العرقيات، وتعالت أعناق الفساد المالي والإداري والقيمي كأسنمة البخت، من موجبات التفكير العميق والبحث عن هذا السوداني بكل دلالاته التاريخية والأخلاقية وأين ذهب في مهب الرياح وسافيات التراب التي أثارتها أرجل وحوافر  الممارسة السياسية الضالة وهي ترتعش في مسيرها، ترتجف كالمخمور الثمل على قارعة الطريق.
لقد أفسدت السياسة السودانية على مر التاريخ بطائفيتها وأحزابها العقائدية المغلقة، نواة صالحة لبناء تداول سلمي للسلطة ومفاهيهم جبارة وخلاقة كانت ستجعل السودان يجلس الآن في مكانه اللائق به بين أترابه وأقرانه من شعوب الدنيا وبلدانها. وجنت علينا السياسة بتمزيقها الرداء الجميل الذي تلفحنا به عبر تاريخنا الاجتماعي ونشرت بثورها ودماملها على وجوهنا، حتى تغبّشت الرؤية وظن كل ظانٍّ أن هذا الوطن لا بواكي عليه حين يقع مستصرخاً من طعنات طاعنه وطعينه …!وهي هي صورة تتكون جزئياتها في رقاقة «النانو» السياسي والاجتماعي، من حروب تدمر البلاد وتمرد يخرب الديار وصراعات تفتق الجراح التي تكاد تندمل وتخطط لتدمير ما تبقى، هو نفسه لا يبقي ولا يزر!.
 يجب أن نبحث عن السوداني بكل تجلياته في رحلة الزمان والمكان، وإعادة هذه الصورة لإطارها الصحيح، آخذين فيها نتائج الطريق الطويل الذي سارت التجربة السياسية الراهنة بكل المختلف فيها حوله، ولنبني واقعاً جديداً وسط كل هذه الوحول.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق