السودان: صلاح إدريس يكتب: الرحمة المهداة

مرت آلاف السنوات على رحيلك الجسدي وبقي نورك السرمدي يضئ الدنيا في كل مكان. ويحول الظلمات إلى اضاءات تكشف معالم الطريق وتقود البشرية من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم والهداية. لا أدري كيف استطعت أن تتربع على عرش القيادة الروحية للعالم كل هذه القرون. لا أدري كيف حدث هذا ولكنها تلك القيم التي عشتها ونشرتها فكانت النور الذي ملأ الأرض وأضاء السماء. كيف استطعت أن تتسنم راية الرشد والعلى وتعتلي ذروة المجد والسؤدد بدون جاه أو سلطان. فقد كان يمكن ان تكون كل ذلك ولكنك اخترت ان تكون عبد لله ورسوله. لا أدري كيف استطعت أن تظل قامة سامقة على مر التاريخ بدون منافسة من بشر أو حتى مجرد اقتراب من تلك الأنوار العلية والطلعة البهية. كيف ننسى الأموات بالتقادم وأنت تشع نور كل ما مر الزمان ودارت الأيام. كيف نتحول إلى ذكريات بعيدة. لا تذكر الاشذرا ولا يمر عليها إلا لماما، وأنت تبعث عبر التاريخ وتشكل الحاضر وتدل على المستقبل. لمن أراد النجاة. مرت عليك آلاف السنوات وأنت تكبر. كل يوم وينضم الآلاف إلى قافلتك المجيدة ورهطك الفائز. ولا غرو فقد جلست يوما بكل تواضع وقلت لجليسك. وأنت ابن المرأة التي تأكل القديد ليبلغن هذا الأمر مابلغ الليل والنهار ولايغادر بيت مضر أو قبل إلا ودخله الاسلام. هاهو الاسلام ينمو ويتمدد في كل مكان. وهاهي النبواءت تتحقق الواحدة بعد الأخرى وهاهو الاسلام ينتشر بدون أن تهرق الدماء. أو يطلق الرصاص، وهكذا تظل يا سيدي يا رسول كلما ازداد البعض كراهية ازداد البعض حبا وتعظيما يصل عنان السماء ويماهى اعماق البحار ويتسع يمينا وشمالا وغربا وشرقا ومن مشارق الأرض ومغاربها تظل يا سيدي قطبا يحكي عظمة هذا الدين وقدرته على التمدد والتماهي والاختراق إلى ماحيث عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد.
لا ادري كيف استطعت في (23) عاما أن تمشي على الأرض هونا وتخاطب للجاهلين سلاما وتزرع هذه القيم النبيلة بين العرب المتنافرين، فتحولوا إلى محبة ومودة وأحلاف. وأصبحوا قادة للجيوش بعد أن كانوا يقارعون الكؤوس. كيف بعدها ملأوا الأرض عدلا وسماحة وحبا. لا أدري من أي كوكب اتيت ومن اي طينة خلقت ومن ملة ظهرت فأشرقت الأرض بنور ربها وسقطت عند مولدك عروش الفرس وانهدت قلاع الروم. فنشرت قيم الحق والخير والجمال. حتى قال عنك برنارد شو: (إن محمد رسول الإسلام لو نزل على الأرض لحل كل مشاكل العالم في جلسة شاي). كيف يا سيدي رضخت لك الجياد بعد ثورة وهياج وكيف إنقاد لك العباد بعد تيه وضياع. ولكن القلب الذي غسله سيدنا جبريل كان هينا لينا، ذلك القلب الذي حمل بين جنباته تلك الرحمة المهداة التي وصفها المولى في كتابه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). كيف بعد أكثر من ألف عام ترسم للعالم طريقا للخلاص ومعالم للنجاة ومنارات للحق. كيف استطعت أن تبني امبراطورية بها أكثر 1.4 مليار مسلم في كل أنحاء العالم. كيف استطعت أن تهزم الأمم بدون أن ترسل الجيوش. كيف استطعت أن تهد العروش وأنت جالس تقرأ القرأن. كيف يخافك الأعداء مسيرة شهر. وانت الذي يحدث الحيوان. وتبكي له الحيطان ويحن له القلب ويتودد إليه الوجدان. لا أدري ماذا أقول لك وانا أرى الأمة تذهب يمينا ويسارا وترى انه الخلاص. وانت الذي صنعت لهم الطريق وعبدت لهم المسار. ولكنهم ضلوا وتاهوا عن الديار. لا أدري ماذا اقول لك واقول عنك وانت الذي تركت لهم الكتاب والسنة وقلت لهم لن تضيعوا بعدها ابدا. فتركوها وتاهوا خلال الديار. في ليلة مجيئك إلى الدنيا أدعو الله أن يرد الأمة إلى صوابها وترجع لقيادة العالم الذي أصبح لا حول له ولا قوة. وسبحان ربك عن ما يصفون وسلام عليك ياسيدي في العليين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق