الصحــــف فـــي حلــبـات المصـــارعـــة الحــــرة!!

يبقى في النفس بعض الريب، من فكرة ما يسميه المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية، تقرير التحقق من الانتشار، الذي بموجبه تصدر تقييمات بمعايير محددة حول ترتيب الصحف من حيث التوزيع والإعلان.. وبالرغم من أن تقرير المجلس لهذا العام الذي صدر أول من أمس، منح «الإنتباهة» وسام التفوق المطلق على نظرياتها من الصحف لن يجعلنا هذا النجاح الكبير نحجم عن تفصيل هذا الريب، علَّ ما نورده هنا يسهم في البحث عن صيغ تنزع عن التقرير ما يخلفه من درجات عالية من الحساسية والإحساس بغير الرضاء وشح الأنفس الأمارة بالسوء.
 من الواجب المهني الأخلاقي، تقييم هذه الفكرة من أساسها ومدى نجاعتها في معالجة أدواء الصحافة وجعلها تكرع الترياق لأسقامها.. وتبحث عن سبل تجويد الأداء الصحفي وملامسته للقضايا الحقيقية للمجتمع وهمومه وحاجاته.. وإشباع نهمه في معرفة الحقيقة كما هي دون تلوين وإصباغ.
من ناحية المبتدأ فالفكرة التي تقوم على جعل الصحف تجري في مضمار التسابق والتنافس ليست بالفكرة الجيدة، الصحافة في الأساس خدمة مجتمعية والمؤسسات الصحفية ليست أندية رياضية ترتاد النصر، ولا متسابقين يطلبون فوزاً في لعبة تقوم على إحراز قصب السبق واعتلاء منصة التتويج، الصحف مؤسسات للمجتمع مهمتها نقل الأخبار والآراء في مختلف المجالات لتبصير الرأي العام وتنويره وجعله يتخذ الموقف السليم في كل قضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والفكر وغيرها.
هذه الأقنية والأوعية الناقلة لهموم المجتمع والأخبار والآراء والأفكار، ليس من مهمتها الوقوف أمام المرآة والتنافس في كيفية وضع المساحيق والتجمل والتزين والتكسب من مهمة جليلة تتعلق بالعقل وميزانه.
ومن البدع المستحدثات هذه النوعية من التقارير الصحيحة في معلوماتها وحقائقها، غير المطلوبة في ما يترتب عليها، وما تخلفه من آثار في الوسط الصحفي من تنافس أعمى واعتراك في غير معترك، وإشاعة أجواء من الحسد والغيرة وعدم الرضاء كأن الصحف ضرائر تأسو قلوبهن على الحب والغرام.
تقوم بهذه المهمة في بعض دول العالم مؤسسات ومنظمات وجمعيات مستقلة، للتحقق من الانتشار دون أن تمد أرجلها وأياديها إلى وضع «ترتيب مدرسي» يحدد من الأول ومن الأخير، وتكتب كبريات الصحف في العالم بكل شفافية أرقاماً واضحة لكمية المطبوع من أعدادها الصادرة في شريط صغير بمكان خامل غير مقروء في إحدى صفحاتها، دون أن تنتظر أو تتوقع من يضعها في ذيل قائمة الصحف أو في مقدمتها!!
 وقوة الصحيفة وريادتها لا تتحقق فقط من انتشارها الكاسح، إنما بقوة تأثيرها على الرأي العام واتساع دائرة هذا التأثير، ولسنا في حاجة نحن أهل «الإنتباهة» وفقاً لهذا المعيار الضابط، إلى ادعاء حجم ونوع تأثيرنا في الرأي العام، فهو أقوى بكثير من قياسنا فقط بمعيار الريادة في التوزيع والإعلان.
ومن عجب أن تغرق الصحف في قضية انصرافية ووحل لزج، يمنحها أفضلية قد تكون مقصودة من طرف آخر للتجويد والمثابرة، فتنكفئ الصحف إما متباهية أو غاضبة يتطاير الشرر من أعينها ينظر بعضها لبعض بنظرات تبدو مثقلة بالضغائن والإحن.
نحتاج لصيغة جديدة في التعامل مع هذه المسألة، لا تشعل ناراً هوجاء في الوسط الصحفي وتدفع البعض ليتوهم كأنه في معركة فاصلة إما النصر أو الشهادة، ويصدق البعض أيضاً حالة الحمل الكاذب التي يعاني منها!!
الصحافة مهنة مثل كل المهن في الدنيا تؤخذ بحقها، وليست عرضة للتزيد أو العرض في فاترينات التكسب والتربح من عملية صناعة النجوم، فالمحك هو القارئ الذي يملك وحده حرية الاختيار في أن يقرأ ما يشاء والكيف أهم من الكم .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى