تسعيرة جديد للوقود .. أين الحقيقة؟!

الخرطوم: القسم الاقتصادي
خابت آمال المواطنين بعد ان ارتفع سقفها بأن يصبح قرار رفع الدعم هو القشة التي تنجي الاقتصاد من الغرق، فاصطدمت باستمرار ازمة الوقود التي لم تبارح مكانها، وتفاقمت الاوضاع بعد اعلان تحرير الوقود، ورغم ذلك تشهد معظم طلمبات العاصمة تراص العربات لساعات طويلة دون فائدة مرجوة، وهذا الامر استنكره العديد من سائقي المركبات، وقالوا ان الحكومة تحججت بأن تحرير الاسعار يساعد في الحد من الازمة وتوقف التهريب، ولكن هذه مبررات ساقتها دون ايجاد حل جذري، وكان هدفها فقط زيادة الاسعار، كما ان الشاهد الآخر في الامر خروج العديد من طلمبات الوقود عن الخدمة دون ان تكون هناك اسباب واضحة ومبررات منطقية، فارتفعت وتيرة الشكوى من جديد، وانبرت الاصوات عالية بفشل الحكومة في ادارة الازمة دون مواربة، لا سيما بعد ان لاحت في الافاق اتجاهات لوضع اسعار جديدة للوقود.

لا اتجاه للزيادة
أكد مصدر مطلع ــ فضل حجب اسمه ــ بوزارة الطاقة إبقاء الوزارة على الأسعار الحالية وعدم الاتجاه لزيادة جديدة في سعر الوقود.
وكشف لـ (الإنتباهة) عن اجتماع ضم شركات القطاع الخاص والوزارة امس الأول، أمن على عدم زيادة جديدة للبنزين وتخفيض سعر اللتر من الجازولين الى (103) جنيهات للحر بدلاً من (106) جنيهات. وعزا خروج معظم محطات الوقود من الخدمة لخلل فني في مصفاة الجيلي أدى الى تراجع الكمية المنتجة، لافتاً الى انه تمت معالجته وستتم تغذية المحطات ابتداءً من اليوم، مبيناً شروع الوزارة في توحيد السعر بأن يكون مقارباً للحر والمدعوم عبر حساب تكلفة الاستيراد وحجم الإنتاج المحلي.
شح وضوابط
وقال وكيل احدى محطات اويل انرجي ـ فضل حجب اسمه ـ  لـ (الإنتباهة) ان الحصص لا تسلم للمحطة يومياً مما تسبب في توقف العمل في بعض المحطات دون اخرى خاصة التي تغذي البصات السفرية، لافتاً الى ان المحطة لم تتلق شحنة جازولين لفترة عشرة ايام، وطالبتهم الشركة بتغذية الملاكي فقط، على الرغم من ان المحطة مخصصة لوقود البصات السفرية.
وفي ذات الاثناء اكد مصدر رفيع للصحيفة وجود شح في الوقود الحر والتجاري المدعوم معاً، مما جعل تغذية المحطات تتم ما بين (24) ساعة و (72) ساعة فقط، مشيراً الى ان الزيادة في الوقود الحر تتوقف على حسب الدولار في السوق، وأضاف قائلاً: (قد تكون هناك ضوابط جديدة لتقليل الضغط على المدعوم وتوجيهه للجهات التي يجب ان تستفيد منه.)
أولويات
وكشف مدير المبيعات بشركة ماثيو سامي عن اجتماع لشركات الاستيراد لمناقشة الترتيبات العامة، وتمت مناقشة اولويات فتح الاعتمادات، وبخصوص شح الجاز افادنا قائلاً: (نعمل على توزيع اية كمية تأتي للمحطات المخصصة)، واستدرك قائلاً ان الفجوة السابقة ادت الى تعطش المحطات، واكد في حديثه لـ (الإنتباهة) ان المنصرفات الحكومية الضرائب والجمارك تكلفتها عالية وطالبت الشركات بتخفيضها، مشيراً الى اهمية تضافر الجهود لتوفير الوقود، واضاف ان الاشكالية في أن الميناء به مربط واحد فقط، وبالتالي يتم تغريغ باخرة واحدة، ونبه الى وجود باخرة جازولين حالياً ببورتسودان واخرى بنزين لم يكتمل فتح اعتمادها، وايضاً سيتم فتح اعتماد باخرة جازولين يوم الاحد المقبل.
آثار اجتماعية وسياسية
وجزم الخبير الاقتصادي بقوى الحرية والتغيير د. محمد نور كرم كركساوي بأن الزيادة الجديدة لأسعار الوقود سيكون لها اثر اجتماعي وسياسي سالب، لجهة أن معدل الفقر حسب الاحصاءات العالمية يبلغ اكثر من٧٠٪ ، لذلك كان يجب على الحكومة ان تتصرف ببدائل الخطة الاقتصادية، الا انها الحل الناجع مع مخرجات المؤتمر الاقتصادي الاخير، وأضاف ان البدائل تتمثل في حشد الموارد المحلية الذاتية بعدة ادوار ووسائل متاحة وسريعة العائد، وذلك حسب ما اوجدته اللجان الثلاث المتمثلة في (لجنة الايرادات ولجنة المصروفات ولجنة السياسات) التي اوضحت أنه في حال سارت بتلك المخرجات فلن تكون هناك حاجة لرفع الاسعار وتغيير سعر الصرف او رفع الدعم عن المحروقات، لجهة ان العجز الموجود في موازنة ٢٠٢٠م لا يحتاج الى رفع الدعم او تغيير سعر الصرف، لجهة ان العجز في الموازنة قليل ولا يحتاج الى ارهاق وضغط المواطن في معيشته، لأن المواطن ليس في حاجة الى ضغط اضافي.
سوء إدارة
وكان رئيس لجنة النقل باللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية إبراهيم الشيخ، قد اكد في حديث سابق أن الترتيب والتنظيم لإدارة رفع الدعم حالياً ليس بدرجة الكفاءة التي تعجل بانفراج الأزمة وتفكيك الصفوف المنتظمة لشهر تقريباً أمام محطات الوقود، لافتاً لـ (الإنتباهة) الى أن الأزمة الحقيقية في سوء إدارة الحكومة عملية الوقود كلياً وحتى الدقيق، وزاد قائلاً: (المسألة لسه جايطة)، مبيناً أن السعر المعلن هو السعر الحر الحقيقي للوقود حسب أسعار العطاء الأخير، لجهة أن الحكومة تفتقر لموارد للعملات الصعبة بما يمكنها من أن تستمر في الدعم كما درجت على ذلك سنين عدداً، لافتاً لوجود وقود خدمي متاح بأسعار (200) جنيه للجالون ليغطي الترحيل والزراعة والمواصلات.
جازماً بأن وقود النقل تمت مضاعفته بنسبة 100%، وبالتالي رفع الدعم معادلة مختلة، وأن القضية الأساسية خلق درجة من الوفرة لديها قيمة اقتصادية وتقديم خدمة لا تحمل عبرها المواطن فوق طاقته وتلقي على كاهله المزيد من الأعباء، مشيراً الى أن إدارة أمر الوقود نفسها مختلة وتأتي من العطب الملازم للأداء الحكومي، بمعنى أن الزيادة تمت حالياً، لكن المواطن لكي يشتري بنفس طيبة ورضاء تام يفترض أن تكون هنالك وفرة ولا يضطر المواطن للوقوف في الصفوف لفترات طويلة، مؤكداً أن المواطن مازال ينتظر في الصفوف والأسعار بالقيمة التي طرحت بها، وقال: (نحن لسنا ضد رفع الدعم ولكن ضد تعذيب المواطن بهذه الطريقة الممنهجة وغير المدروسة ولا تعبأ براحة المواطن). وتابع قائلاً: (افتكر أن هذه الثورة أحد الأسباب الحقيقية التي قامت من أجلها هذه المعاناة التي تراكمت على ظهر المواطن طوال ثلاثة عقود كئيبة وبائسة وفاسدة)، وقال: (حالياً حكومة الفترة الانتقالية تدير البلاد بغير كفاءة مطلوبة الآن لتخفيف معاناة المواطن اليومية)، رافضاً شراء المواطنين الوقود بـ (540) جنيهاً ثم يستمرون في صفوف، وقال إن هذه المسألة غير مقبولة بكل المعايير والمقاييس والقيم الأخلاقية.
البحث عن بدائل
ويرى المحلل الاقتصادي بدر الدين ابراهيم أن زيادة اسعار الوقود في الظرف الحالي للمواطنين يمثل (صب المزيد من الزيت على النار)، الأمر الذي يهدد بعدم استمرار حكومة الثورة وقطع الطريق أمام المرحلة الديمقراطية التي تستشرفها البلاد، مشدداً على ضرورة أن تبحث الحكومة عن بدائل أخرى لرفع أسعار الوقود، ومن ضمنها السعي لزيادة الإيرادات واسترداد الإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة لشركات المنظومة العسكرية وفرض المزيد من الضرائب على السلع الكمالية خاصة على مركبات الدفع الرباعي، موضحاً أن المحروقات البترولية في هذا البلد جزء كبير منها يعتمد على الإنتاج المحلي، وجزء آخر يصل الى حوالى 30% فقط يتم استيراده من الخارج، وذكر أن الدعم لهذه السلعة يتمثل في فرق السعرين بين (الموازي والرسمي) للجزء المستورد وهو ما يعادل 30% من الاستهلاك المحلي، ولذلك يتطلب قبل الحديث عن رفع الدعم تحديد حجم الدعم المقدم من الدولة بصورة أكثر دقة، لأن السودان كما قال لا يستورد كل استهلاكه من المحروقات، مؤكداً أن التسمية الصحيحة للموضوع (تعديل سعر الوقود)، بدلا من مصطلح رفع الدعم، كذلك يتطلب تحديد السعر الحقيقي لـ (الدولار) مقابل الجنيه لتحديد حجم الدعم في حالة (ان كان هناك دعم بالفعل) بصورة أكثر دقة.
واشار الى ان سعر السوق الموازي الحالي للعملات، (لا يمثل سعراً عادلاً او حقيقياً للجنيه)، خاصة ان هناك تقديرات وفق دراسة في سبتمبر الماضي، وتراوح السعر الحقيقي في حدود (١٤٦) جنيهاً للدولار، بينما كان في (السوق الاسود) حوالى (٢٧٠) جنيها للدولار، وفي حالة تسعير الوقود بـالسعر الموازي ستكون بمثابة (ضريبة إضافية) للمواطن تحت غطاء رفع الدعم.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق