قرى شمال المتمة بنهر النيل .. فصول من المـآســي

شمال المتمة: محمد احمد الكباشي
بالرغم من مرور اكثر من شهرين على كارثة الفيضانات التي اجتاحت عدداً من المناطق بالولايات وما خلفته هذه الفيضانات من دمار واضرار لحق بالمنازل والمؤسسات والمزارع وطال حتى الثروة الحيوانية، فقد بدأت بعض المناطق تتعافى من صدمة الكارثة وتجاوزها، وذلك بما حظيت به هذه المناطق من تكثيف اعلامي على المستوى الرسمي وغيره من اجهزة الاعلام المختلفة، واعقبها تدافع المنظمات الدولية والمحلية واهتمام المركز وارسال الوفود إلى هناك للوقوف على حجم الاضرار، الا ان ذلك لم يكن ماثلاً في محلية المتمة بولاية نهر النيل التي تأثرت بصورة اكبر، فالمشاهد التي وقفنا عليها من خلال جولة لـ (الإنتباهة) في مناطق شمال المتمة تؤكد بجلاء ان الاوضاع هناك تتجه للاسوأ، فمازال الكثيرون يفترشون الارض ويلتحفون السماء، وامامهم انقاض منازل لم تعد سوى خرابات متناثرة تتخللها اشجار النيم وبعض من اشجار البستنة.
الطريق إلى قرى شمال المتمة لم يعد وعراً كما كان في السابق بعد اكتمال طريق النيل الغربي إلى شمال المحلية، والذي ادى بدوره إلى سهولة الحركة وربط مناطق شمال المحلية بجنوبها، فضلاً عن وجود كوبري المك نمر، وقد احدث هذا الطريق نقلة واضحة في التنمية في المناطق التي تحادد الشريط النيلي ووجود شركات زراعية، غير ان الاراضي غربي الاسفلت مازالت تنتظر من يفلحها، مع نشاط لحركة نقل المنتجات الزراعية من محصول البصل والموالح وغيرها، إلى جانب حركة المواصلات من وإلى شندي وحتى إلى الخرطوم.
دمار شامل
قبل التوجه إلى محلية المتمة تواصل معي المحامي والناشط بقضايا المنطقة والولاية علم الدين الخواض، حيث اكد ان المواطنين بمناطق شمال المحلية يعيشون اوضاعاً مأساوية، ولم يجدوا ادنى اهتمام من قبل حكومة الولاية، واشار إلى ان منطقة (الحداحيد) في اقصى شمال محلية المتمة فقد بدت المشروعات فيها خاوية على عروشها ولا اثر للزراعة، بينما تحتل أشجار (المسكيت) مساحات واسعة من الاراضي التي يتخللها طريق ترابي إلى داخل القرية، وقد بدا وعراً لدرجة ان السيارة التي كنا نستقلها وجدت صعوبة في الوصول إلى هناك، وعندها بدت اكوام من المنازل تلوح من بعيد، وربما يتعقد الزائر للمنطقة لاول مرة ان طائرات محملة بالبراميل المتفجرة قد أسقطت حمولتها على هذه المنطقة على غرار ما يحدث في سوريا، او هكذا يمكن ان يوصف الوضع بمنطقة (الحداحيد)، فكل شيء صار تحت التراب. ويحكي العمدة نصر الدين تمساح ــ وقد بدأت حالة من الحزن تنتابه ــ في حديثه لـ الانتباهة أن اكثر من (116) منزلاً قد انهارت ولم يبق منها سوى منزلين، وجميع هؤلاء صاروا بدون مأوى، ولكن لا بد هنا ان نشيد بابن المنطقة الحاج الحداد الذي اسهم بعدد من الخيام وبعض المواد الغذائية، وكذلك الفريق اول محمد عثمان الحسين رئيس هيئة الاركان واللواء حمدان عبد القادر قائد الفرقة الثالثة مشاة شندي، كما لا ننسى جهود الاخوة بالمكنية وعلى رأسهم حسن الحويج. ووصف العمدة تمساح الوضع بالمتردي وان البيئة تحت الصفر، مشيراً إلى عدم وجود مراحيض. واضاف ان البعض لجأ لاستخدام حفر لا يتعدى عمقها مترين فقط، يتداول استخدامها العشرات، واطلق العمدة تحذيرات إلى الجهات الصحية حول انتشار الامراض والوبائيات بالمنطقة، في ظل عدم الاهتمام وعدم وجود حملات للرش مع انتشار البعاوض والحشرات من العقارب والثعابين، وشدد على ضرورة ترحيل المواطنين إلى القرية النموذجية، لكنه ربط ذلك بجدية الحكومة في انفاذ الخدمات، مبيناً ان ابناءهم التلاميذ يواجهون صعوبة بالغة للدخول في العام الدراسي خلال الايام المقبلة، في ظل الراهن الذي تعاني منه المنطقة مع تردي الاوضاع المعيشية.
نفير البناء
تبدو قيمة النفير والعمل الجماعي واعانة الضعفاء في صناعة الطوب بارزة وسط شباب منطقة (الحداحيد)،   وجميعهم يسابق الوقت لانجاز اكبر قدر من المنتج حتى يتسنى لصاحب المنزل تشييد ولو غرفة واحدة تحمي صغاره من زمهرير البرد والذي بدأ بصورة جادة هذه الايام. واستوقفتني صورة حية لهذا العمل الانساني، حيث جلست الحاجة عائشة محمد سليمان وهي ارملة وصاحبة الثمانين عاماً، ولا انيس لها في بيتها المنهار غير اهلها من الجيران، فاخذت تراقب المشهد في حيرة، وقد جلست على (عنقريب) مهترئ وسط مقتنيات المنزل من اوانٍ منزلية ودواليب، والاسرة صارت اكواماً من الخردوات، ومع عجزها لم تستطع اخراجها، ولكن عدداً من شباب المنطقة آلوا على انفسهم الوقوف إلى جانب هذه المسنة وتشييد غرفة لها.
فقد منزله وبصره وفلذة كبده
وليس بعيداً عن منزل الحاجة عائشة هناك يجلس داخل خيمة المواطن علي عثمان محمد، وتبدو على وجهه ملامح حزن عميق، فقد تجاوز محنة فقدانه المنزل غير انه شبه فاقد للبصر، ولكن قلبه يكاد يتفطر وهو يجتر ذكرى رحيل ابنه عبد العظيم ــ وهو على اعتاب دخول المرحلة الثانوية ــ غرقاً اثناء موجة الفيضانات، وبالتالى فقد اجتمعت عند الرجل جملة من الابتلاءات، وقال لـ (الإنتباهة) محاولاً حبس دموعه: (نقول الحمد لله ولا بد من الصبر)، ويضيف قائلاً: (اناشد والى الولاية وحكومتها أن تلتفت إلينا في هذه المنطقة، ولا اظن انها تعلم بالذي حدث لنا، وان كانت تعلم فتلك مصيبة، وكيف لها ان تنام ونحن هنا نعاني في كل شيء).
قرية بقروسي
الحراك الذي تشهده المناطق المتضررة لا يخرج عن جهود ابناء هذه المناطق للسعي في اعادة تشييد المنازل مرة اخرى، ويقول مصطفى البدوي محمد بشير رئيس لجنة الخدمات والتغيير بمنطقة بقروسي: (ان المنطقة تقع في الجزء الشمالى من المحلية، وهي من القرى التي ظلت تضرر من الفيضانات بصورة سنوية، ولكن هذه المرة كانت عاتية ودمرت كل القرية البالغ عدد سكانها (1300) نسمة، فضلاً عن الخسائر التي لحقت بالبساتين والاعلاف وفقدان عدد من الثروة الحيوانية إلى جانب الاثاثات المنزلية) ويضيف قائلاً: (هناك بعض المنظمات منها التأمين الصحي الذي نفذ يوماً علاجياً وبعض الاعانات الصحية إلى جانب والهلال الاحمر الاماراتي، قدمت مساعدات، وكذلك مركز الملك سلمان الذي قدم مواد غذائية، وبخلاف ذلك لا نذكر اي دور لحكومة الولاية، ومازالت الاسر في العراء، وكل انسان على حسب وضعيته، فهناك من بدأ في التشييد وآخرون عاجزون تماماً عن فعل اي شيء والشتاء على الابواب، ولذلك نناشد المنظمات الخيرية ان تساعد في البناء).
غلاء طاحن
(عشنا اياماً عصيبة لم نذق خلالها طعماً للنوم او الراحة، وكانت معركة حقيقية واجهنا فيها كثيراً من العنت والمشقة، حيث عاشت قرية قوز بدر ومواطنوها كل هذه المعاناة) هكذا يقول الهادي احمد عبد الرازق من (قوز بدر) مبيناً ان اكثر من (150) منزلاً انهارت انهياراً كلياً ومثلها انهارت جزئياً، فضلاً عن انهيار مئات المراحيض، إلى جانب قطوعات الكهرباء المتواصلة، واضاف قائلاً: (حتى مسجد قوز بدر شمال ظل يعاني من انقطاع الكهرباء، ولم تقم فيه الصلاة لاكثر من شهر)، وعاب الهادي على حكومة الولاية عدم اهتمامها بالأمر من حيث تقديم العون او القيام بزيارة تفقدية طوال الفترة الماضية، بالرغم من ان الكارثة كانت كبيرة وتفوق مقدرة المواطنين، واشار الهادي إلى انهم يواجهون ازمة حقيقية مع موجة غلاء طاحنة، واضاف قائلاً: (لك ان تتصور أن انبوبة الغاز فاق سعرها (2000) جنيه كمثال، اما بقية المواد الغذائية فقد صارت بعيدة المنال، كما ان غالبية سكان هذه المناطق اصبحوا بلا عمل بعد ان دمرت الفيضانات مشروع كلي والضواب، وحتى هذه اللحظة لا تبدو هناك جدية لاعادة تأهيله وبالتالى نخشى من الخروج من الموسم الشتوي).
قرية الغبش
اسامة حسن بلة من قرية الغبش ابتدر حديثه قائلاً: (تعتبر قرية الغبش من القرى المهجرة، وظلت تتعرض للفيضانات طوال الأعوام الماضية، ولكن هذه المرة أكثر من 50% من القرى تضررت بصورة كاملة، والغرق حدث بسبب الإهمال وعدم اكتراث الجهات المختصة لنداءاتهم وعدم وجود معينات كالخيش، الامر الذي ادى إلى كسر الجسر، وفقدنا جميع الممتلكات، وفقدنا الكثير من الثروة الحيوانية لأكثر من مرة، وهي امتداد لمساحات اخرى منذ عام 2015م، وتمت الدراسة للموقع الجديد، وتم التواصل مع منظمة قطرية التي قامت بعمليات التشييد، وتعرض المشروع لانهيار، ونعاني بشدة من البطالة هذه الايام، ونطالب حكومة الولاية بأن تهتم بمواطن محلية المتمة، ونعرف ان الكثيرين فقدوا كل ما عندهم).
تجاوب محدود
(تعتبر ولاية نهر النيل الولاية الوحيدة التي لم تجد نصيبها من الاعلام كما حظيت به كثير من مناطق البلاد الاخرى، فنهر النيل وخاصة المتمة تعد الاكثر ضرراً بسبب الفضيضانات)، هكذا ابتدر القيادي بالمنطقة جمال القرني طيفور حديثه معنا، مبيناً ان قضية مشروع كلي والضواب تبدو الاهم بالنسبة لهم اكثر من اية قضية اخرى، وقال لـ (الإنتباهة): (لو لم نجد الاهتمام في المقام الاول لن تستقيم الامور، وبتشغيل المشروع ستدور عجلة الحياة، ولا حياة للمواطن من غير تشغيل المشروع)، مبيناً أنه يمثل دورة حياة متكاملة، مشيراً إلى ان المشروع ظل يتعرض لحالة انهيار طوال الاعوام الماضية، وقال: (قبل ذلك طالبنا برحيل شركة (زادنا) ولكن الوالي حينها اللواء عبد المحمود رفض المبدأ واصر على بقاء الشركة)، مشيراً إلى ان الاقدار اتت به لادارة شركة (زادنا) والآن جاء مديراً لشركة (زادنا) والآن هم متواصلون معه لانقاذ المشروع وتأهيل المشروع بصورة كاملة، وقال: (لا ندري ماذا حدث حالياً، فقد تمت اعادة تركيب اعمدة الكهرباء)، واضاف انه لا بد من رفع تقرير حول المشروع حتى يتم تأهيل المشروع بصورة حقيقية بما في ذلك ازالة المسكيت وتأهيل ابو عشرينات. وشكا القرني من عدم وجود جسم يمثل المزارعين للتحدث باسمهم، وقال: (نأمل ان تكون هناك شراكة حقيقية بين المزارع والجهات الحكومية سواء كانت شركة (زادنا) او غيرها. ويمضي في ذات الاتجاه المواطن عصام الدين السيد عبد الله، مبيناً ان المشروع يضم مئات العمالة من المحلية والولاية وعدداً من ولايات البلاد، إلى جانب انه يعول اكثر من (450) اسرة.
انهيار المشروع دمار للمنطقة
وفي ذات الاتجاه يقول سيف الدين ابو طالب: (اية مشكلة في المشروع تعني دماراً بالنسبة للمنطقة، لأن غالبية السكان يعتمدون على الزراعة بالمشروع, والآن يعاني المشروع من ضعف الادارة، وتعرضنا نتيجة الفيضانات لخسائر كبيرة، وتمثل ذلك في غمر مساحات كبيرة من البساتين وغيرها من المحصولات، ولذلك نطالب بحماية ثابتة حتى لا نتعرض للخسارة).
أما المواطن احمد محمد علي مصطفى فقد قال: (يبدأ مشروع كلي من الجبلاب جنوباً إلى كمير الجودلاب شمالاً، وظل المشروع يعاني من مشكلات في القنوات، وتم التصديق بمبلغ ثلاثة مليارات لتأهيل المشروع ولكن ذلك لم يكتمل، وتضرر عدد من المزارعين لأن الترعة الرئيسة تحتاج إلى تطهير خاصة في الجهة الشمالية، وبعد الحصاد جاءت الفيضانات، ورغم جهود المواطنين الا ان الفيضانات اتلفت محصول البرسيم).
بشريات ومخاوف
وبالرغم من مخاوف كثير من المزارعين من وضعية مشروع كلي والضواب وعدم الدخول في الموسم، الا ان مدير المشروع ابراهيم محمد قال انه تفقد المشروع بعد تسلمه مهامه قبل ثلاثة اشهر، مبيناً ان المياه غمرت المشروع تماماً، وقال ان الترعة الرئيسة لم تتضرر كما في بقية الفروع, واشار إلى عمل خطة لاسعاف المشروع تتضمن (8) حفارات بما يمكن انجازه خلال (2000) ساعة، اضافة إلى (2) قلاب و (2) لودر لعمل الصيانة. واشار الى اشكالية المياه، وقال ان القناة تحتاج إلى تطهير من الحشائش والاطماء، واضاف انه بحاجة الى (10) آلاف جالون لانجاز المهمة، غير انه ابدى مخاوف من عدم الحصول على هذا المبلغ، مشيراً إلى مماطلة بعض الجهات والاجراءات التي وصفها بالمعقدة، وكشف ان مديونية المشروع على المزارعين تبلغ نحو سبعة ملايين جنيه .
واضاف انه تم اخطار شركة (زادنا) وحكومة الولاية بذلك، واشار إلى ان العمل جارٍ لتوصيل الكهرباء حتى البيارة والاطمئنان الى سلامة الطلمبات البالغة (4) طلمبات منها واحدة متعطلة، ونوه بأن اثنتين فقط من الطلمبات تعملان بحالة جيدة. وبشر مدير المشروع المزارعين بالدخول في الموسم الشتوي، غير أنه ربط ذلك بتوفير المطلوبات التي تقدَّم بها إلى الجهات المختصة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق