الصحافي والناشر محجوب عروة يفتح النار في كل الجبهات: الصحافة ستنهار (وبعد كدة أي زول يشيل شيلتو)

حوار: هويدا حمزة ــ تصوير: متوكل البجاوي
يبدو أن بعض الإفادات في تحقيقنا الذي نشر يوم الثلاثاء بعنوان (صحافيون في سوق النخاسة)، قد استفزت ناشر الزميلة (السوداني الدولية) لإعادة التعليق عليها، حيث كان ضمن المستطلعين ومن ثم فقد آثرنا أن ندير معه حواراً حول ذات القضية ويمتد ليشمل شتى هموم ومشاكل الصحافة التي تؤثر علينا بشكل مباشر كصحافيين،  ومن ثم فقد انبرى عروة ليطلق نيرانه على في شتى الاتجاهات فأصابت من أصابت . تابعوا معنا في المساحة أدناه.
] مارست الصحافة في أنظمة مختلفة  فهل يمكنك أن تقيم لنا أوضاعها في مختلف تلك الأنظمة؟
= الصحافة عامة وفي السودان تقع بين رحى جانبين سياسي واقتصادي، فإذا كان النظام ديموقراطيا حرا سيكون لها وضعها، أما إذا كان النظام ديكتاتوريا فيسيطر عليها كما في عهد عبود وفي مايو، أما في الإنقاذ فتدهورت بصورة كبيرة ، مايو كان نظاما ديكتاتوريا أمم الصحف ولم يسمح بحرية الصحافة لمدة (16) عاما، فهجر المهنة كثير من الصحافيين ذوي الخبرة الذين مارسوا الصحافة قبل الاستقلال، لأن الصحافة أصبحت محتكرة للنظام السياسي، وهما صحيفتان فقط (الأيام والصحافة) وبالتالي انحدر مستوى الصحافة لأنها أصبحت تبشيرية تعليمية سلطوية وليست حرة تشارك وقد أصبح الخوف يسيطر على الصحافيين فهاجر الأذكياء منهم خارج البلاد وبعضهم اشتغل بالتجارة فتدنى مستواها وأصبحت صحافة منحطة ومقيدة، بل واجهت الصحف عقوبات بالسجن والمصادرة كما حدث معي شخصيا سنة 94 ، أول صحيفة كانت (السوداني الدولية) حاولنا ننتقد أداء الحكومة وننشر ملفات الفساد فلم تتحملنا وضربتنا ضربة أخافت كل الناس .
] هل تقصد بكلمة (منحطة) المهنة أم ممتهنيها؟
= أقصد في أدائها المهني ولا أقصد الصحافيين.
] رغم أن الإنقاذ من رحم الحركة الإسلامية وأنت إسلامي كذلك ؟
=  أنا (كنت) إسلامياً ولكنهم لا يريدون صحافيين أحرارا يتحدثون عن الفساد بل يريدون صحافيي علاقات عامة يعكسون برامجهم  فقط، وفي النهاية انتهت الإنقاذ إلى سقوط مريع ، وقد كان يمكن للإنقاذ أن تصمد وتتطور لو فتحت الباب للصحافة لتنتقد وتشارك كما طلبنا منهم ولكنهم رفضو ا بل أسوأ من ذلك الرقابة القبلية والبعدية وتخويف الصحافيين بالعصا والجزرة (المعاهم قديس والما معاهم إبليس)، وبالتالي حاربوا أمثالنا ممن انتقدوهم وتآمروا علي فأخذوا مني (السوداني الدولية) وحتى (السوداني) انتزعوها مني بدون أي تعويض..
] إذن، لماذا بعت طالما أنك لم تستلم ؟
= أجبروني على ذلك ، اعتقلوني وابتزوني بلعبة اشترك فيها جهاز الأمن وعلي عثمان على أساس أنني مديون، أي ناشر عليه ديون، فهل الحل أن يكبتوني أم البحث عن حلول أخرى، كان يمكن أن أصفي الصحيفة ولكن خفت على الصحافيين من التشريد ..
] كان يمكن أن تشترط على المشتري استيعاب الصحافيين؟
= لن يسمحوا لي بذلك، أنا معتقل ولا خيار لي وقد أرسلوا لي شخصا يفاوضني أو يبتزني بمعنى أدق.
] من هو ذلك الشخص ؟
= محمد لطيف. عرض علي عرضا فرفضته ولو كان إنسانياً لقبلته .
] كم كانت قيمة العرض؟
= مبلغ بسيط تافه لا يغطي ديوني .
] ماذا قال لك محمد لطيف بالحرف الواحد ؟
= قال لي سندفع لك مبلغ مليون جنيه ، المهم أجبرت على التنازل بشروط غير قانونية، أعطوا عثمان ميرغني وزهير السراج قيمة أسهمهما وأنا لم يعطوني رغم أن القانون يقول إن الشركة ليس مسؤولا عنها المدير العام، بل تصفى وتباع أسهمها جميعا ولكنهم لم يعطوني .
] لماذا لم تلجأ للقانون؟
= قانون ضد البشير ؟! ويين يا؟
] عثمان ميرغني لجأ للقانون واسترد صحيفته، فلماذا لم تحاول مثله ؟
= ذلك كان إيقافاً وليس إجراءات مالية  كحالتنا. ولم أفكر لأنهم نصحوني بعدم تضييع وقتي ، المهم تنازلت دون مقابل ، وكنت أظن أن الاعتقال كان لأسباب مالية ولكن بعد الثورة اكتشفت أنه لأسباب سياسية ، ناس بنك الصادرات تبرأوا من اعتقالي ولكن جهاز الأمن ابتزني للتنازل وقد نصحتني أسرتي بالتنازل لأنني مريض وحالتي بالبلا ولا قدرة لي بالبشير ورهطه والقضية الآن ماشة.
] نعود لقضايا الصحافة، لماذا لم تنجح صحافتنا في استقطاب رؤوس أموال ضخمة كما يحدث في كل العالم ؟
= لأن النظام الاستبدادي يجعل الصحافة في عدم استقرار، فجعل الصحافيين  يهجرون المهنة وخوف رجال الأعمال من الاستثمار كما يحدث في بريطانيا وأمريكا حيث يقوم كبار رجال الأعمال بتمويل الصحف لأنهم لا يخشون المصادرات كما يحدث عندنا ، حتى البنوك تخاف من إغلاق  الصحف، هذا هو الجانب السياسي أما الاقتصادي فيتعلق بأمرين أولها المؤسسات الصحفية رأس مالها ضعيف فالصحافيون لا يملكون غير أقلامهم وبالتالي لا يستطيعون تأسيس مؤسسات مالية كبيرة، وثانيها الاقتصاد القومي نفسه متدهور وكلما زاد ضغط المعيشة فالمواطن لا يستطيع شراء الصحيفة ويفضل عليها الرغيفة، أيضا المعلنون أنفسهم لا يقبلون أسعارا عالية للإعلان كما يحدث في العالم حيث تبلغ قيمة الصفحة الواحدة 10  آلاف دولار تغطي تكلفة الصحيفة كلها، فالاقتصاد المتدهور أثر على القدرة الشرائية للمشتري والمعلن معاً خاصة بعد كورونا التي أثرت سلبيا حيث ارتفع سعر الدولار وانخفضت المبيعات وارتفعت التكلفة بصورة كبيرة جدا ، أصبحت المؤسسات الصحفية أمام خيارين إما أن تغلق كما فعل بعضها أو تستمر بالخسارة  .المطبعة تريد نقودها والكمبيوترات والكهربا ء والإيجار نفسه وهذا سبب من أسباب تدني أجور الصحافيين ،  لا أريد الدفاع عن الناشرين ولكنهم كانوا مجبرين لأن يكون الصحافيون هم الضحايا.
] أنتم الناشرون تستغلون حاجة الصحافيين للعمل فتشغلونهم بأبخس الأسعار ؟
= لا أنكر أن الصحافيين مجبرون، ولكن ماذا أفعل أنا ؟ دي ميزانيتي كدة.
] تتعاقدون مع كتاب الرأي بمرتبات خرافية على حساب الصحافيين مع أن الأخيرين هم الذين يصنعون الصحيفة، لماذا؟
= هذا سؤال هام جدا ،الصحافة السودانية صحافة رأي ، الأخبار أصبحت عادية ومتوفرة ليس تقليلا من شأن الصحافيين ولكن الصحافة السودانية منذ الاستقلال صحافة رأي وليست استقصائية، هذه هي الإشكالية التي جعلت الكتاب يتفوقون وهذا عيب طبعا بعكس الصحافة في العالم فهي إستقصائية .
] الاستقصائية تحتاج لإمكانيات وأنتم الناشرون لا توفرونها ؟
= هذا صحيح ، الصحافي يجب أن يكون وضعه أفضل وقد ذكر عبد الماجد عبد الحميد في تصريحه لكم أن الناشرين يهتمون بمواقع الصحف أكثر من الصحافيين، وهذا صحيح ولكن الناشر يجب أن يهتم ببيئة العمل وشروط الخدمة فإذا كانت البيئة قذرة وغير ملائمة للعمل فكيف يعمل الصحافي في ظروف عمل سيئة وكيف يستطيع أن يبدع حتى لو كان المرتب ضخماً؟
] ولكن أيضا إذا كانت البيئة محترمة والمرتب ضعيف فلن يبدع الصحافي أيضا؟
= صحيح ، لكن هذا الوضع أفضل من العكس ،عندما قررت أصدر (السوداني الدولية) بحثت عن أفضل الأمكنة ، صحيح الإيجار غالي جدا  ليس فندقا كما قال ولكن حرصا على راحة الصحافيين ، بالنسبة لشروط العمل فهي مرتبطة بميزانية الجريدة، اليوم التكاليف ارتفعت بصورة جنونية، المواصلات غير متوفرة إضافة لمصاريف الأسرة، فالبيئة أصبحت طاردة والناشر أصبح بين أمرين إما أن يغلق الصحيفة كما حدث لبعض الصحف، أو يستمر ويتحمل الخسارة مثلنا، وإذا كانت للصحف مؤسسات استثمارية  غير الإعلان تستطيع استقطاب صحافيين ممتازين وتعطيهم رواتب عالية  وترفع من شأن صحيفتها، العامل الآخر أن الصحافة الإلكترونية أثرت على الصحافة الورقية .
] للصحافة الألكترونية فوائد فإذا كان الصحافي سابقا مضطرا للعمل كبنغالي كما يقولون، فهو ليس مضطرا الآن لأنه يستطيع أن ينشئ موقعا إلكترونيا ويتحصل على الإعلان وأموره تصبح طيبة ؟
= نعم هذا  يحدث الآن ، فهي تعين عددا قليلا من الصحافيين ولكن الورقية مكلفة جدا .
] هذا هو الاتجاه السائد في العالم فكثير من الصحف الورقية تحولت لإلكترونية؟
= تقلصت الورقية ولكن لن تنتهي، فأمريكا وبريطانيا حاولتا التوقف ولكنهما عادتا، فالورقية لديها ميزات منها الاستقصائية والإعلانات الحكومية وقلوب الإعلان معلقة بها كما أن مزاج قراءة الجريدة مازال موجودا لبعضهم.
] نفهم من هذا العرضحال أن الصحف العاملة الآن خسرانة ؟
= خسارة كبيرة.
] الجابركم شنو ؟
= الجابرنا حبنا للصحافة، هي معادلة ، ولكن لابد أن نفكر في بدائل، الصحافة في عهد الإنقاذ كانت تعتمد على الدعم الحكومي …
] واليوم لا يوجد دعم حتى للدواء؟
= لذلك ستنهار الصحافة وبعد كدة أي زول يشيل شيلتو وظهر ذلك باختفاء صحف وسيظهر أكثر في مقبل الأيام، هناك مشكلة كبيرة كانت موجودة اتحاد الصحافيين السابق لم يهتم بأجور الصحافيين بل كان عمله تأييد الحكومة ، ايضا نتساءل أين القانون وأين وزير الإعلام، كتبت له مذكرة بأفكار لتكوين مجلس الصحافة ولكنه (ماعبرني) ، أنا أيدت تعيين فيصل كوزير لأنه جاء من الوسط الصحفي ولكن للأسف الشديد لم يفعل شيئا لا مجلس صحافة جديد ولا قانون جديد ، اجتمعنا معه والرشيد وقال شكلوا لجنة لتطوير المهنة ومناقشة مشاكل الصحف ، رشحنا ناس ولكنهم لم يفعلوا شيئا أيضا .
] مثل من ؟
= محمد وداعة ومزمل أبوالقاسم ..إلخ؟
] إذا فيصل لم يفعل، فلماذا لم يفعل الناشرون وهم أصحاب وجعة ؟
= تقاصروا كما قال الرشيد، ولكن حتى لو لم يفعلوا على وزير الإعلام أن يحضرهم ويسألهم ولكن فيصل قصر، شخصيا خاطبته بمذكرة بعد الكورونا بخصوص الورق في بورتسودان والأرضيات تحسب علينا والجمارك كذلك، ولكنه لم يفعل .
] هل فيصل الآن هو فيصل (بتاع زمان)؟
= لا ، لم يضع أي بصمات ولكنه أصبح مجرد ريكوردر ؟
] عندما تنتهي الانتقالية هل سيجد فيصل أرضية لدى الوسط الصحفي ؟
= هو رجل صديق ومهذب جدا ولكن للأسف الصحافيين فجعوا فيه ، كنا نأمل أن يفعل شيئا بعد الكورونا فيعفي الجمارك ويكون له دور أكبر في الجانب المهني . شخصيا طلب مني الاختصار عندما أعطاني فرصة وأنا رئيس تحرير فرفضتها .
] نزع لباس الصحافة ولبس لباس الحزب؟
= كنا نتوقع أن يكون أداؤه أفضل .ولكن لا يوجد قانون نشر ولا قانون إعلانات ولا أي شيء الحكومة أوقفت الدعم .سابقا كان الصحافيون يسافرون مع المسؤولين حتى المعارضين ليعرفوا الحاصل شنو، الآن يسافر الموالون فقط ولكن رغم ذلك فالوضع أفضل منه في الإنقاذ مليون مرة لأن الإنقاذ حطمت الصحافة وانتهكت الحريات بدليل أن إسحاق والطيب مصطفى يكتبون كما يريدون الآن (لو كان زمان كان قطعو ليهم ألسنتهم)، فعلى الأقل هنالك حريات .
] نعود لما يهمنا بعد الكورونا ورفع الدعم أصبحت المرتبات مهما ارتفعت  فهي لا تكفي، فماذا أنتم فاعلون؟
= كانت هناك فكرة لدمج بعض الصحف مثل تجربة الشراكة الذكية بين الحرية والصحافة والصحافي الدولي، ولكن الحكومة وقتها لم تسمح لها بالاستمرار ، وبعد ذلك جاءت صراعات الناشرين.
] لماذا لم يقم اتحاد الناشرين بعد؟
= أنا أقدم ناشر ولكنهم لم يدعوني لإجتماع ، هم لا يتعاونون بل يضربون بعضهم تحت الحزام من زمان وليس حديثا ، لذلك لم يقم الاتحاد ، أكبر خلل في رأيي الشخصي هم الناشرون ولو اتحدوا وأسسوا كيانا قويا سيستفيد الصحافيون أجورا كبيرة .
] لماذا لم تقدم مبادرة لتكوينه بدلا من لطم الخدود؟
= لن يتحدوا، أعطيت أفكاراً لأسماء كبيرة ولكنهم يريدون استغلالها لأنفسهم .
] طيب إذا هجر كل الصحافيين الورقية إلى الألكترونية، فمن سيصنع لكم صحفكم؟
= هذه مشكلة كبيرة نحاول أن نبحث عن مخرج منها.
] وأين المخرج ؟
= نحاول أن نبدع والآن أصبحت الصحف تقدر الظروف ولا تلزم الصحافيين بالحضور يوميا . وشخصيا لدي أفكار لتحسين أوضاع الصحافيين بعد كورونا لن أفصح عنها، الصحافيون غير متعاونين أولادي بشتموني في جريدتي وكذلك الناشرون، لم يقف أحدهم معي !
] ربما أنت لم تقف مع بعضهم ؟
= اتحداك أسألي المجتمع الصحفي كله إذا لم أقف معهم ،لا أريد أن أذكر أسماء.
] هل تقصد أن المجتمع الصحفي مجتمع سيئ؟
= ماعاوز أقول كدة لكن بصراحة ما كويس .
] كنت عميلاً لدولة أجنبية وتم  القبض عليك في المطار وبحوزتك وثائق خطيرة   حسبما نشر، ما حيثيات الحدث؟
= (يضحك) ،عندما صدر قانون الصحافة سنة 93  أصدرت (السوداني)  وكانو زعلانين منها شديد، سنة 94 حاولت أنقلها السعودية وكانت الصحافة السودانية ممنوعة في السعودية، فقمت بإصدارها في لندن أسبوعية مثل صحيفة (الخرطوم) وعندما سمحوا بالصحافة هنا قلت أصدرها يومية وتذهب للسعودية، فقابلت وكيل وزارة الإعلام السعودي وليس المخابرات وطلب مني كتابة خطاب لأن الصحافة السودانية ممنوعة في السعودية وكتبت الخطاب لأن الطباعة في لندن غالية والشحن من السودان أرخص وتم التصديق لي بمساعدة جمال خاشقجي وصديق له، وأصبحت تدخل السعودية من لندن ، وعندما حضرت في الصباح كانوا قد احتلوا المطبعة وصادروها والخطاب موجود في شنطتي فأخرجوه وأدخلوني بيوت الأشباح لـ (3) شهور وذهبوا لشدو وزير العدل ليفتحوا بلاغا في مواجهتي، فأخبرهم أنه خطاب إداري ولاعلاقة له بالمخابرات، وأطلق سراحي.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق