في احتفال السلام .. هجوم على (الشيخ) ودمـوع (حميدتي)

الخرطوم: آدم محمد أحمد

وصول مني أركو مناوي رئيس حركة جيش تحرير السودان إلى مطار الخرطوم عبر طائرة خاصة تتبع لشركة تاركو كان أمراً لافتاً. فالرجل وصل باكراً إلى الخرطوم يرافقه التوم هجو رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي ــ الجبهة الثورية ــ وعدد من قيادات حركته العسكريين، وهو ما يؤكد أن مني وصل بصفته رئيساً (للثورية) الأخرى التي يقودها هو وأصبحت واقعاً ماثلاً، فالرجل استغل طائرتين تتبعان إلى شركة تاركو، واحدة حملت قيادات الحركة من عسكريين ومدنيين وبعض القيادات الوسيطة، واخرى كانت خاصة به وقيادات كبيرة غادرت الحركة وعادت اليها من جديد، مثل القائد عبد العزيز سام ويوسف حقار، وكذلك يرافقه الأسير السابق الجنرال ابراهيم بهلول نائب رئيس هيئة الاركان ونائب الادارة فيصل حسين سكو .

وكان الأمر الأكثر دهشة ولفت انتباه الذين تدافعوا إلى المطار، هو مظهر الجنود المدججين بالسلاح ويتميزون بزي موحد أقرب إلى زي الجيش، وهو الزي الذي ظهر به مناوي في آخر زيارة لقواته في دارفور قبل مجيئه؛ وكانت تلك قوات الحراسة الخاصة لمناوي، وهو منظر أعاد لدى البعض شريطاً طويلاً من الذكريات وبصورة أخص إلى عام 2006م عندما وصل مني لأول مرة إلى الخرطوم بعد التوقيع على اتفاق أبوجا ذائع الصيت. ويبدو أن الرجل انطلاقاً من تلك الخلفية أصبح مترعاً بالخبرة الكافية في الاتفاقيات وكيفية التعامل معها، وهو ما حاول التنبيه اليه بتصريحات في المطار، اذ دعا مناوي إلى ضرورة الابتعاد عن المشاكسات بين السياسيين والمواطنين، وطالب الشعب السوداني بالتعامل مع الحريات بطريقة مهذبة والابتعاد عن المشاكسات، وأضاف قائلاً: (نحن في بيئة جديدة، ورسالتنا أن الوضع في السودان مختلف، وعلينا أن نضبط الشارع باستخدام الحريات كما يليق)، وأعرب مني عن أمله في أن تكتمل الجهود لإزالة ما خلفته الأنظمة السابقة، خاصة نظام الإنقاذ، وأضاف قائلاً: (نحن أصبحنا جزءاً من تحمل المسؤولية من تركة الإنقاذ، وجئنا لترجمة اتفاق جوبا). وكان المساحة الفاصلة بين مطار الخرطوم الدولي وساحة الحرية لا تنقطع من سيل الناس المتدفقة، فاليوم عيد مثلما اعلنت الحكومة ذلك في اجازة رسمية، وفي وقت مبكر تدافع الناس الى هناك، ومع ان مقصد الجماهير واحد وهو السلام والاحتفال به، إلا ان كلاً منهم يحمل شعار الجهة التي يمثلها من حركات ومجموعات، وتحت هجير الشمس اللاذعة انتظرت الجموع طويلاً في ساحة الحرية، وتنوعت الرقصات التي تعبر عن انتشار ثقافة السودان الواسعة، فهناك من يرقص تحت ازيز النقارة وبينهم من يرقص بمزمامير خاصة، وبينهم من يتمايل على ايقاف آلات شعبية غارقة في المحلية.
وثمة أشياء ربما عالقة في الذاكرة تجاه (قوى الحرية والتغيير) من قبل جماهير حركات الكفاح المسلح، خاصة (إبراهيم الشيخ) الذي كانت له تصريحات في السابق صارخة ومنتقدة لعملية السلام التي تجرى في جوبا سيما في بدايتها، وهو ما دفع بعض الذين يتذكرون تلك المواقف الى ان يهتفوا ضده عندما اعتلى المنصة في ساحة الحرية، ورددوا: (أطلع بره ما دايرنك، جوعتونا ارحلوا ارحلو)، وهو ما جعل مني اركو مناوي يُعقب في كلمته على الموقف ويقول: (إن ابراهيم الشيخ الآن أصبح معنا ومقتنعاً تماماً بالسلام رغم ما حدث في الماضي من مواقف تجاوزناها اليوم واصبحنا يداً واحدة)، والأمر برمته دفع النائب الاول لرئيس المجلس السيادي الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى التعليق، لكنه ذرف الدموع وهو يرد على الجماهير، وقال: (يا جماعة يجب الا نظلم الناس لاننا اتظلمنا والظلم ظلمات)، واضاف قائلاً: (ابراهيم الشيخ يعبر عن الجناح المعتدل في قوى الحرية والتغيير، والآن الصفوف تمايزت فهو عانى في الامر)؛ وزاد قائلاً: (أنا ما بكسر تلج لي زول، لكن الآن الصفوف اتمايزت، وداير اقول حاجة في حق ابراهيم الشيخ، أول شيء إبراهيم الشيخ من الجناح المعتدل في الحرية والتغيير، وديل الناس الدخلوا السلام في الوثيقة الدستورية، وصحيح كانت هناك هفوات في السابق).
وعلى الرغم من المواقف التي واجهها والهتافات ضده، الا ابراهيم الشيخ القى كلمته بشيء من الحماس ومشاعر العطف كممثل لقوى الحرية والتغيير، وقال إن ثمن السلام غالٍ، وأشار الى ان السودان اضاع الكثير من زمنه في الحرب التي ذهب بموجبها الجنوب وترملت النساء واحترقت الأرض، ونوه بأن السلام المستدام ليس اتفاقاً يبرم وانما سلام مستدام يرفع له التمام كل اليوم، وتنفيذه لا تحدده مصفوفة صيغت بعناية ولا اتفاق، بل وعي كامل لشعب يتطلع إلى السلام الدائم، واضاف قائلاً: (السلام حق مستحق للمشردين، والمحافظة على السلام هي التحدي الملقى على عاتق الحكومة)، واعلن تعهد قوى الحرية برفع رايات السلام بعزيمة لا تهون، وتمد اياديها بيضاء لشركاء السلام، وتبشير كل المناطق المتأثرة بالحرب بأن السلام سيتنزل عليهم برداً وخيراً وطعاماً ودواءً وكهرباء ومياهاً. وكان لافتاً أيضاً غياب البرهان وحمدوك عن الاحتفال بالسلام، مع انهم كانوا حضوراً في الاحتفال السابق بذات الموقع عقب توقيع الاتفاق، الا ان غيابهم بالامس طرح بعض الاستفهامات؟ مع ان الامر ربما مرتبط بالبروتكول، غير أن وجود حميدتي كرئيس لوفد الحكومة اعتبره البعض كافياً من واقع أن الرجل ذو بصمة واضحة وجود معلوم، حتى لقبه البعض برجل المهام الصعبة لدوره الطويل في مشوار السلام، وهو ما أشار إليه المستشار توت قلواك أمس عندما قال في كلمة مقتضبة: (اقدم لكم حميدتي وهو الرجل الذي أتى بالسلام هنا وفي جنوب السودان)، وقبلها اشار قلواك الى ان وصول عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان ليوغندا يمثل خطوة للأمام تجاه العملية السلمية في السودان.
وفي كلمته عبَّر (حميدتي) عن دهشته من الأصوات المعارضة للسلام، ونادى الفصائل خارج مظلة اتفاق جوبا للالتحاق بركب الموقعين، وقال حميدتي الذي حظي باستقبال كبير في الاحتفال: (لا أرى أي مبرر موضوعي أو عمل سياسي محترم يمجد الحرب ويقلل من شأن السلام)، متعهداً بألا يكون الاتفاق خصماً على أحد، ويؤسس لبناء الدولة السودانية على أسس عادلة، وقال في خطابه: (إننا اليوم نطوي صفحة سوداء من المآسي والأوجاع، وحملنا فيها البندقية ضد بعضنا البعض، وتقاتلنا وتخاصمنا وتشرد أبناؤنا ونساؤنا، وقد أدركنا أخيراً أن هذه الدائرة الشريرة يجب أن تتوقف وإلى الأبد، لأن المنتصر في هذه الحرب خسران)، وقال: (إن السلام الذي تحقق بإرادة صادقة ونوايا خالصة يحق لنا أن نفرح به طالما أنه أسكت أصوات البنادق، لكي نحول ثمن الرصاصة إلى طباشيرة نُعلّم بها أجيالنا كيفية الحفاظ على وحدة بلادهم.(
ولضيق الزمن ومراعاةً لظروف المتجمهرين في الشمس، الغت المنصة كلمات (17) شخصاً كان من المفترض ان يسمعوا أصواتهم للناس، فكل قادة الحركات المسلحة تنازلوا عن الكلمات، وتحدث نيابة عنهم مناوي وآخر، لكنهم تحدثوا في المطار عندما وصلوا في تصريحات صحفية مباشرة للاعلام، وقال رئيس الجبهة الثورية السودانية الهادي إدريس: (إن السلام هدف ظللنا ننشده لفترة طويلة)، وأشاد بدور دولة جنوب السودان في تحقيق السلام بعد صبر استمر لعام كامل، وأضاف قائلاً: (اتينا لنملك اتفاقية السلام للشعب السوداني لأنها ملك له وهو هدف اساسي لعودتنا بعد السلام، إضافة إلى العمل مع الشركاء في الحكم مدنيين وعساكر لمصلحة الشعب وتحقيق شعار الثورة)، وقال إن الاتفاقية يجب تنفيذها وهو اتفاق مميز تم توقيعه في مناخ سياسي مختلف وهو لكل السودان وخاطب كل القضايا الجوهرية، مشدداً على ضرورة سد الفجوة في المجتمع من خلال الحكم الفيدرالي الذي يسهم في اعطا نسبة كبيرة للاقاليم الاقل نمواً، وقال: (إن ما تعرضت له الندوة بالحاج يوسف من مضايقات وإطلاق رصاص امر غير مقبول، وسوف لن نسمح بانزلاق السودان نحو العنف مرة أخرى)، منوهاً بأن النازحين يجب أن يعودوا الى مناطقهم في أقرب فرصة، داعياً جميع رفقاء الكفاح المسلح الذين لم يوقعوا على اتفاق السلام الى الإنضمام الى ركب السلام لمصلحة الشعب، ودعا كل القوى السياسية في السودان خاصة الشركاء الى العمل سوياً من أجل الوحدة بين مختلف مكونات السودان السياسية، مشيداً بدور سلفا كير واعضاء حكومة جنوب السودان في تحقيق السلام .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق