(الانتباهة) من الحدود الإثيوبية .. يوميات الفارين من (الجحيم)!

الشريط الحدودي: عمار الضو

لم يكن تدافع اللاجئين الأثيوبيبن ودخولهم الى ولاية القضارف هي المرة الاولى من نوعها ، فقد سبق من قبل في اوائل ثمانينات القرن الماضي بعد ان ضرب الجفاف والتصحر منطقة القرن الافريقي  خاصة مناطق شرق اثيوبيا وما خلفه من مجاعة، وموت الآلاف الى جانب حالة فقر ادت الى هجرة أعداد كبيرة من شرق السودان الى أقصى الغرب مما دفع الحكومات الاثيوبية المتعاقبة في سدة الحكم تشجيع الاثيوبيين اللاجئين لاستغلال الأراضي السودانية ذات الخصوبة العالية وحماية المزارعين الاثيوبيين عبر المليشيات الإثيوبية المسلحة المعروفة باسم جماعة الشفتة خاصة في الفترة من العام 1995 حتى تاريخه، فقد استباحت هذه المجموعة منطقة الفشقة احتلال الفشقة الصغرى شرق العطبراوي وتكريس الوجود الاثيوبي وطرد السودانيين وإجبارهم على إخلاء شرق نهر العطبراوي  ،ويعتبر الجفاف والتصحر الذي ضرب المنطقة  الشرقية من إثيوبيا وقتها بجانب الكثافة السكانية العالية لاثيوبيا والتي تصل الى نحو 80 مليون نسمة كيلو متر مربع مقارنة مع مساحة السودان  ،  ويقدر سكان السودان بنحو 40 مليون نسمة.

تفاقم الأزمة
لما يقارب الأسبوعين يتواصل تدفق الفارين من جحيم الحرب التي يشنها الجيش الاثيوبي على اقليم التقراي ويعيش جميع هؤلاء اوضاعا انسانية قاسية حيث كشفت جولة لـ( الإنتباهة) الى داخل تجمعات اللاجئين بمناطق بحمدايت والهشابة بمحليتي ود الحليو بولاية كسلا والفشقة ومعسكر «ام راكوبة» بمحلية القلابات الشرقية بأن أسباب الأزمة التي أشعلت الحرب يعود إلى الأوامر التي أصدرها آبي احمد لجيشه الفدرالي لاسترداد ثكنات عسكرية  استولى عليها جيش تحرير التقراي، ورغم نفيهم بشن اي هجوم على الجيش ويبدو بأن انطلاقة العمليات العسكرية لم تكن مفاجئة على خلفية الاحتقان والغبن الناتج عن إقصاء التقراي التي كانت تسيطر على اثيوبيا  في عهد منقستو. ويرى كثيرون بأن الانتخابات التي دعت التقراي لقيامها من هذا العام والتي رفضها آبي احمد بزعم تفشي وباء كورونا  جعلته يفكر في الحسم العسكري تجاه الاقليم بعد أن خاض أشرس المعارك بكل أنواع الأسلحة منذ أول هذا الشهر  والتي أدت حتى الآن إلى فرار نحو 35 الف لاجئ ولم تكن هذه المرة الأولى  اربط طوالي مع الكلام الأول وتواجه دول القرن الأفريقي اختبارا سياسيا وتحديا أمنيا كبيرا يصعب تجاوزه لتصدر اثيوبيا رئاسة الاتحاد الأفريقي بجانب التعقيدات الجغرافية لإقليم التقراي المحازي للسودان عبر ولايتي القضارف وكسلا بطول 110، كيلو للقضارف و17 كيلو لكسلا  ويضم هذا الإقليم أكثر من 3 ملايين لاجئ مقارنة بي 2 مليون نسمة وهي سكان ولاية، القضارف.
تأخر فتح المعسكرات
رغم مضي نحو أكثر من أسبوعين لاندلاع موجة النزوح والحرب الا ان أزمة ترحيل اللاجئين وتوفير الغذا لم تبرح مكانها لنقص الدعم وتأخر دخول المانحين بجانب تعقيدات تواجد القوميات الاثيوبية المتنازعة داخل المعسكرات القديمة مما دفع السلطات وحكومة الولايتين إلى إعلان ترحيل اللاجئين إلى محليتي القلابات الشرقية بمعسكر ام راكوبة بجانب معسكر الطنيدبة بمحلية المفازة الذي يجري الترتيب لإعادة تأهيله واستقبال الفارين بعد أن انطلقت عمليات ترحيل معسكر ام راكوبة الذي استقبل حتى الآن نحو  4120 لاجئا منهم 220 اسرة من محلية القريشة عبر مدينة عبد الرافع   .
وكشفت جولة «الإنتباهة» داخل معسكر ام راكوبة عن فرار واستهداف الجيش الفدرالي لكل اقليم التقراي وشعبه بمن فيهم موظفو الاقليم، وروى موظف الجمارك بمدينة  «الحمرا» عاصمة غرب التقراي «هفتوم حقوق» الذي هرب من جحيم الحرب وهو أسرته التي تتكون من 3 اولاد وزوجته بأنه وصل إلى «حمدايت»  السودانية بولاية كسلا سيرا على الأقدام يوم 10،نوفمبر ومنها انتقل الى معسكر ام راكوبة يوم 17 منه بعد أن أجبرتهم الراجمات وقذف الطيران الاريتري من «ام حجر»  للفرار، وأضاف لم تكن الحرب عسكرية فقط من آبي أحمد تجاه التقراي  فقط استعمل الحرب الاقتصادية مبكرا تجاهنا قبل المعارك العسكرية وقام بقطع كل خطوط الاتصالات والانترنت وإيقاف التحاويل المالية والصرافات قبل 3 أشهر من اندلاع الحرب  ووصف حديث آبي أحمد بالكذب ودعوته لعودة التقراي إلى معقلهم، وأبدى استغرابه بدعوته بعد أن دمر كل المباني .
مثلث حمداييت
وفي نقطة جغرافية تسمى مثلث الحدود تلتقي «ام حجر» الأريترية و»الحمرا» الاثيوبية بـ»حمداييت» السودانية مشكلة التقاء التبادل التجاري ومشاركة الطبيعة من مناخ ومجارٍ مائية وظل الأهالي بين البلدان الثلاثة يتعايشون في تناقم وانسجام واحترام متبادل عمقته المصاهرة والتاريخ الانساني الذي اضفت عليه القيم السودانية لغة التواصل الاجتماعي والنشاط التجاري الزراعي والرعوي.
إلا ان توجس مراقبين بكسلا من احداث الحرب الذي تدور رحاها بين الاثيوبيين فيما بينهم قد يفضي الى نزوح بدلا  من وصف اللجوء، مشيرين الى افراغ معسكرات اللاجئين الاريتريين بالولايات الشرقية لاكثر من 7 معسكرات ودمجهم بالمجتمعات الوطنية الامر الذي ادى الى نشوء ديمغرافية حديثة أوجدت ازمات الصراع القبلي، ويناشد قيادات المنظمات الوطنية وقيادات معتمدية اللاجئين المجتمع الدولي ممثلا  في منظمات ووكالات الامم المتحدة للاضطلاع بدورهم تجاه اللاجئين الاثيوبيين الفارين من جحيم الحرب، فيما ندد بعض المراقبين بسياسة الباب المفتوح التي تبناها السودان تجاه استقبال واستضافة اللاجئين في وقت يجأر المواطن بالشكوى من التضخم وانعدام السلع الضرورية، فكيف بمجموعات اخرى تشارك المواطنين في القليل والشح التي يعانون منه علاوة على تداعيات وآثار اللجوء من جرائم تهريب بأنواعه ونزاعات الأراضي وخلافه وتجدر الاشارة الى معسكر القرية 26 ومعسكر ام قرقور  وقد صارا موطنا» للاجئين بعد تمت سودنتهم بالرقم الوطني فامتلكوا الأرض السكنية والزراعية والثروة الحيوانية ولمثل هذه الأجندة يحذر مواقبون من مغبة اذابة اللاجئين في المجتمعات المضيفة..
وعبر في اليوم الأول السابع من نوفمبر الجاري بالضبط 52 وافدا وبعدها انفتح الباب على مصراعيه عندما سقطت القذائف على المدارس وعلى اثر ذلك فر طلاب «الحمرا» الى داخل السودان بالزي المدرسي وتبعهم النساء والشيوخ.
وضوع
وفي غضون تلك الأوضاع المأساوية عبرت الحدود الى منطقة حمداييت امرأتان حبليان تعانيان آلام المخاض فكان لوقفة  الاهالي والمسؤلين بمواقع الاستقبال ايصالهما الى اقرب مركز صحي واستقبلوا وليديهما في سلامة وصحة تامة..
أوضاع مأساوية
وبلغ تعداد اللاجئين الاثيوبيين الذين عبروا الحدود الى داخل الأراضي السودانية حتى مساء الجمعة تسعة آلاف لاجئ بمعبر حمداييت بالجانب السوداني على الحدود السودانية الاثيوبية، واشار الى ان العدد قد يرتفع الى 11 ألفا وفقا لتقديرات مساعد معتمد اللاجئين للقطاع الشرقي بكسلا الذي يضم ولايات كسلا والبحر الاحمر وولاية القضارف.
المعتمدية توضح
وأوضح   ممثل مساعد معتمد اللاجئين بحمداييت/ محلية ود الحليو يعقوب محمد يعقوب  لـ(الإنتباهة) ان اللاجئين في مختلف الفئات العمرية وغالبيتهم من النساء والاطفال والمسنين يعايشون ظروفا استثنائية في غاية الصعوبة، لافتا  الى ان سعة معسكر حمداييت تبلغ 300 شخص بينما الآن يكتظ باكثر من اربعة آلاف لاجئ فاقدي المأوى والطعام ومياه الشرب واشار ال الجهود التي بذلها أهالي ود الحليو في قوافل الدعم المتواصل منذ اول وهلة فرار  اللاجئين الى الأراضي السودانية. وتابع يعقوب كنا نتوقع ونتحسب لتداعيات تدفق اللاجئين من خلال خبراتنا التراكمية في التعامل مع هكذا اوضاع إلا ان التدفقات التي اعقبت اليوم الاول لانداع الحرب كانت فوق المستطاع وأعرب عن تقديره لادارة اللاجئين بمحلية خشم القربة لوقفتها المقدرة بجانب ادارة معسكرات اللاجئين بمحلية ودالحليو ومواطني ود الحليو الذين تقدموا على المجتمع الدولي والدعم الحكومي ووصف قوافل دعم المواطنين بماسحة دموع الدم على وجوه البؤساء وان كثيرا» من مواطني حمداييت استضافوا أعدادا» من اللاجئين الذين ضاقت بهم الارض بما رحبت في منازلهم وأفرغوا لهم أعدادا من المنازل  مجدداً نداءه لمنظمات المجتمع الدولي للاسراع بالاضطلاع بالدور المنوط بها في غوث وحماية اللاجئين، واشار يعقوب الى الاحوال المسأوية للاجئين وهم يفترشون الارض ويلتحفون السماء ويكابدون في الاحوال على الطعام ومياه الشرب بيد ان معتمدية اللاجئين وسلطات المحلية بذلوا جهودا» مقدرة لجلب مياه الشرب من نهر باسلام لتعطل محطة مياه حمداييت لاكثر من عام.
تحذيرات رسمية
فيما حذر المدير التنفيذي لمحلية ود الحليو بولاية كسلا انور مبارك حميدة من تدهور الأوضاع الصحية بمنطقة حمداييت على الشريط الحدودي مع الجارة اثيوبيا نتيجة تدفق ما لا يقل عن 20 الف لاجئ اثيوبي دخلوا الى المنطقة خلال الايام الماضية نتيجة الحرب الدائرة هناك، وحذر من انتشار اوبئة وامراض وتلوث بيئي في ظل عدم وجود حمامات في مقابل هذا العدد  مشيرا الى ان المواطنين في المنطقة استقبلوا الفارين من جحيم الحرب وآوهم بمنازلهم وقدموا لهم  الطعام والماء وقال ان هذا يشكل خطرا على المواطنين من الجانب الصحي مع غياب لدور المنظمات الدولية والتي اشار الى انها اكتفت بالحضور لأجل اخذ المعلومات وتساءل ماذا كانت تتوقع هذه المنظمات ان تكون أوضاع هؤلاء غير المعاناة؟  مشددا بضرورة الإسراع في تقديم الدعم والسند واصفا الأوضاع بالمأسوية وسط اللاجئين فضلا عن بروز اشكالات حول نقص المواد الغذائية والاستهلاكية، مشيرا الى ان الوحدة الادارية ناشدت الغرفة التجارية بود الحليو لتوفير كميات من السلع التي تحتاجها المنطقة، وكشف انور في عن ثلاث حالات وضوع ، نافيا تسجيل حالة وفاة.
من جانبه قال علي صالح عمدة حمداييت لـ» الإنتباهة» ان مواطني المنطقة تدافعوا لتقديم العون للاجئين غير انه اشار الى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، مبينا ان سعر قارورة المياه بلغ 100 بينما تجاوزت اسعار الخبز 20 جنيها، وناشد عمدة حمداييت المنظمات للاضطلاع بدورها لمجابهة أزمة اللاجئين وترحيلهم الى المعسكرات.
ظهور أمراض
وكشف المدير الطبي لمعسكر ام راكوبة الدكتور أحمد المعتصم محجوب أحمد موسى عن ظهور أكثر من خمس حالات اشتباه بكورونا  بعد ان أجريا الكشف الأولي، ولفت إلى أهمية قيام مركز عزل وتوفير جهاز الفحص الطبي لكورونا وشكا من عدم وجود الأدوية الكافية ونقص الكوادر الطبية والمعدات فيما كشفت مدير الشؤون الصحية بمحلية القلابات الشرقية خديجة محمد موسى عن ظهور عدد من الأمراض والأوبئة بمعسكر ام راكوبة، منها  الإسهالات والتهابات الجهاز التنفسي والحميات خاصة  الملاريا . وأعلنت عن تدشين حملة لإصحاح البيئة ومسح غذائي وصحي لتحديد صلاحية وكلورة المياه  وأعلنت عن حاجة المعسكر إلى كمامات وتعقيم وتوفير كوادر طبية.
حكاية مهندسة
المهندس «مسرات قرماي» خريجة جامعة أديس أبابا لهذا العام المتواجدة في معسكر ام راكوبة قالت إنها جاءت  هاربة وتركت أربعة من أخواتها بجانب والدتها ووالدها الذي يعمل مع جيش التقراي وقالت إنها جاءت سيرا على الأرجل أربعة أيام من ماي خدرة عبر معسكر حمداييت بعد أن أنهت دراستها الجامعية بكلية هندسة الجليوجيا باديس أبابا ،وأضافت لا أعلم إذا كان والدي ووالدتي وأخواتي فارقوا الحياة أو أمواتا وقالت إنها فقدت شهاداتها الجامعية وتسعى للعمل في الخرطوم أو الهجرة وسوف تعود إلى الحمرة الى أعمارها عقب رحيل آبي احمد من السلطة  بعد أن قتل الأطفال والصغار  منا. على حد قولها.
إلى داخل الحدود
لم تكن هجمات الجيش الفدرالي الاثيوبي على مناطق «الحمرا وماي خدراء « فقط فقد شملت مدينة عبد الرافع المتاخمة إلى محلية القريشة عبر الفشقة الكبرى حيث استقبل معسكر ام أراكوبة أكثر من 220 اسرة بعد ان قام اللواء السادس مشاة بتوفير الحماية وترحيلهم ومن ضمن الفارين الحاجة حمرات قدي  بنتها وأحفادها الخمسة ونزوح حمرات لم يكن الأول لها إلى السودان من جحيم الحروب والصراعات الاثيوبية وسبق قبل ربع قرن بعد كانت ضمن لاجئ معسكر الطنيدبة في محلية الرهد وعادت عبر العودة الطوعية إلا انها أكدت أن هذه المرة كانت حرب انتقام وتدمير كامل استهدف قومية التقراي من آبي أحمد.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى