المشروع التركي في المنطقة بين الهيمنة والعسكرة والتدويل

تحليل ورصد: الانتباهة أون لاين
إذا كانت إدارة أوباما قد سمحت لإيران بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، تنفيذاً لأجندتها التوسعية، فقد ارتكبت إدارة ترمب الخطأ نفسه، بالسماح لتركيا بانتهاك القانون الدولي، وتنفيذ مشروعها التوسعي الخاص عبر التدخل في شؤون الدول الأخرى من سوريا وشمال العراق إلى ليبيا وقبرص، إضافة إلى نشر قوات تابعة لها في قطر والصومال، من دون ردع.
خلعت تركيا قفازها الناعم، وارتدت قفازاً خشناً، وتحولت باستخدام قواتها العسكرية وتجنيد المرتزقة، إلى دولة توسعية عدوانية، تحركها طموحاتها الجيوساسية، وأحلامها الاستعمارية الجديدة القائمة على فكرة استعادة “الإمبراطورية العثمانية” البائدة، لخلق وقائع ومتغيرات جديدة في الحدود والجغرافيا الدولية القائمة، وكذلك يحركها شبقها للطاقة، الذي دفعها إلى السعي للسيطرة على غاز قطر، ونفط وغاز ليبيا وشرق المتوسط، وخطوط الغاز عبر أذربيجان وأرمينيا.
يشبه الشبق التركي للطاقة وفي السيطرة على خطوط إمداداته، الشبق ذاته الذي دفع الزعيم الألماني أدولف هتلر للاندفاع بقواته شرقاً بعملية “بارباروسا” داخل الأراضي السوفيتية وكذلك الاندفاع بحملته في شمال إفريقيا، طامعاً في الوصول إلى نفط القوقاز وإيران والخليج العربي، ليروي عروق الوحش الآري الذي كان يصنعه لتولي قيادة العالم، كدولة عظمى في نظام عالمي جديد ربما كان يطمح إلى بنائه في ذلك الحين.
في بدايات التمدد الألماني في القارة الأوروبية، عملت الدول الأوروبية الكبرى إلى استرضاء هتلر، بتوقيع معاهدة ميونيخ أواخر العام 1938، لكن هذه المعاهدة لم تكن فعلياً سوى حبر على ورق، وكذلك فإن المواقف الدولية الاسترضائية لأردوغان، لم تدفعه إلا نحو المزيد من التمدد والتوسع، من دون أن يعطي أي اعتبار للمواقف الدولية الهزيلة.
تشبه التصريحات الصادرة في الأيام القليلة الماضية من أعضاء في الإدارة الأميركية الحالية الناقدة للسياسات التركية، لحظة الندم الأخيرة التي يعيشها الإنسان في اللحظات الأخيرة قبل موته على أخطائه في الحياة الفانية.
فخلال جولته الأخيرة في أوروبا قال وزير الخارجية الأميركي الحالي مايك بومبيو، بعد لقائه بالرئيس الفرنسي مانويل ماكرون: ” إن إدارة ترامب وأوروبا بحاجة إلى العمل بشكل مشترك لمعالجة الإجراءات التي تقودها تركيا في الشرق الأوسط خلال الأشهر القليلة الماضية”، مضيفاً: “نتفق أنا والرئيس ماكرون على أن تصرفات تركيا الأخيرة كانت عدوانية للغاية، يجب على أوروبا والولايات المتحدة العمل معا لإقناع أردوغان بأن مثل هذا الأعمال ليست في مصلحة شعبه”.
يعي بومبيو في أسابيع عمله الأخيرة كوزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “قد جاوز المدى” في سلوكياته العدوانية، وفي مخالفته للقانون الدولي في مواضع كثيرة، منتهكاً سيادة دول عدة، ومتجاوزاً على حدودها البرية والبحرية، من دون أن تردعه حليفته القوة العظمى الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت مشغولة في الدفاع عن حرية مواطن أميركي تعرضت للانتهاك على يد الأمن والقضاء التركيين، فيما صمتت صمت القبور أمام كل تجاوزاته التي مرت من أمام ناظرها.
واليوم توشك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الرحيل، تاركةً ورائها إرثاً من التساهل والتجاهل مع خطر ناشيء يتهدد منطقة الشرق الأوسط، والقوقاز، وآسيا الوسطى، وشمال إفريقيا، وكذلك غربها، وما عسى الإدارة الديموقراطية الجديدة أن تفعل أمام هذا الإرث الذي تركته لها الإدارة السابقة، وسنرى ونرقب أفعالها لنعرف أتنبت قمحاً أم شعيراً؟.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق